Uncategorizedالوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

الدول وخلل أولويات التنمية

بقلم: ضياء الدين دحروج

مناصحةمتابعة

من أسس نجاح الدول وضوح الأهداف وقيام الدولة بواجباتها المنوطة بها التي على أساسها تنشأ الرابطة الوطنية بين أبنائها ويبذل كلّ فرد فيها جهده من أجل حماية المجتمع الذي يعيش فيه بأمن وسلام، ففي الأزمات والتحدّيات الكبرى تظهر الإمكانات والأولويات لدى الدول والإنجازات الحقيقية.
هناك مؤشِّرات عمليّة لاختلال أولويات التنمية لدى بعض الدول.
بعض هذه المؤشّرات تحظى باهتمام الدول الفاشلة كالإنفاق على الأمور العسكرية والأمنية القمعية، وكثرة المحسوبيات السياسية والأيديولوجية والطائفية.
وأمّا المؤشّرات التي تحظى باهتمام الدول التي تحترم نفسها ومكانتها بين الأمم فكثيرة أيضاً، منها: زيادة الإنفاق على البنية التحتية والبحث العلمي.
وهناك معايير تنموية في الإسلام ذكرها الكاتب في هذا المقال تحت عنوان:
“الدول وخلل أولويات التنمية”

من أُسُس نجاح الدول والمؤسّسات ترتيب أهداف البناء والتطوير ومشاريعها أولويّاً، مما يكسبها ثباتاً في الخطوات، وسرعة في الإنجاز، وتخفيفاً للخسائر والنفقات، غير أنّه في الأزمات والتحدّيات الكبرى تَظهر الإمكانات والأولويات والإنجازات الحقيقية للدول ومؤسّساتها، ويتأكد مدى نجاح خططها وأدائها في السنوات السابقة حقيقةَ أولوية الإنسان أم المادة.. حقيقةَ أولوية التوحّش الاقتصادي والعسكري أم الإنسانية والعلم والمحبة.. حقيقةَ أولوية الأنانية الفردية أم المصلحة العامة…
وهنا يمكن وضع بعض المؤشّرات على رصد حسن الأداء وترتيب أولويات التنمية في الدولة أو الفشل بذلك، وخصوصا وقت الأزمات ومن أهمّها:
1. استمرار عمل مؤسّسات الدولة الحيوية ومرافقها ضمن الظروف المناسبة.
2. استقرار الاقتصاد ومؤشّرات التنمية
3. كفاية الكوادر وكفاءتها في كلّ المجالات.
4. أمن الدولة والمجتمع وسلامتهما من تعدّي أعداء الداخل والخارج.
5. تأمين أساسيات الحياة من غذاء ودواء ومسكن وغيرها للجميع.
6. تجلّي روح المواطنة الحقيقية عن طريق التعاون والتراحم والعطاء على مستوى الفرد والدولة.

أولويات الدول في الظروف المعاصرة:

ظهر جليّاً في عدّة أزمات وكوارث نجاح بعض الدول بترتيب أولويات البناء والتنمية في مجتمعاتها مما أكسبها قدرة على تأمين احتياجات مواطنيهم وحسن الاستجابة وقت الأزمات الكبرى، كما تجلّى وجود خلل كبير في أولويات واهتمامات كثير من الدول ومؤسّساتها، سواء ماكان منها بتصنيف نجمة واحدة أو خمسة نجوم، على وفق معايير الكفاءة والتنمية العالمية، فقد قُدِّم ما حقُّه أن يُؤخَّر، وأُخِّر ما حقُّه أن يُقدَّم، فجنت بعض الشعوب والأمم ويلات فشل سياسات حكامها!
فما معنى أن يظهر العجز الطبّي والاقتصادي والغذائي ونقص الكوادر وغياب التنسيق والتعاون بين المؤسّسات أو الدول، وخصوصاً العظمى منها في أولى موجات الأزمات؟! وما معنى بدء صراخ الساسة والقادة ولا تزال مقدّرات الدولة وومؤسّساتها موجودة لا مدمَّرة؟! وما معنى أن تستنجد الوزارات والمؤسّسات والاحتياجات وأعداد المتضرّرين قليلة أمام التعداد العامّ للسكان ولم يصل للحالة الشاملة العامّة؟! يقولون جائحة كبيرة لا تُستوعَب! أليس مهمّة الدولة ومؤسّساتها الاستعداد والتجهيز لمثل هذه الظروف وهم يمتلكون كلّ مقدّرات الدولة؟ أم الأولويات في مكان آخر؟! انكشف عورها وخللها في أوّل اختبار!

وإليكم بعض الظواهر والمؤشّرات العملية لاختلال أولويات التنمية في بعض الدول، التي برزت جليّاً في ظروفنا الحالية فأوجعت شعوباً وفضحت حكومات! ويمكن تصنيفها بمجموعتين:

الأولى: متوافر بكثرة ويحظى باهتمام الدول الفاشلة في رسم أولويات التنمية:
1. كثرة المراكز والكوادر والإنفاق على الأمور العسكرية والأمنية القمعية والفنية الهابطة والترفيهية والكمالية والرياضية والتسوّق والرذيلة…
2. الارتفاع االفاحش لرواتب الرياضيين والإعلاميين والسياسيين والعسكريين والفنانين والبنكيّين.
3. ارتفاع ميزانية التسلّح والأمن القمعي وقصور الرئاسة والوزارات والمهرجانات الترفيهية والإعلام الهابط وحملات تلميع السلطة.
4. الاهتمام بالصناعات الكمالية والاستهلاكية والعسكرية.
5. كثرة المواقع والمنصّات والبرمجيات الإلكترونية الترفيهية والإباحية والإعلامية الهابطة، والتجهيل وتسطيح العقول وشرعنة المستبدّين والتسويق التجاري.
6. التركيز على أمن العروش والفاسدين وسلامتهم، واستعباد الناس ونهب خيرات الدولة.
7. كثرة المحسوبيات السياسية والأيديولوجية والوظائف الوهمية والفساد بصوره، وتفضيل الجُهّال والمنتفعين في المواقع الحساسة والوزارات.

الثانية: متوافر بكثرة ويحظى باهتمام الدولة الناجحة برسم أولويات التنمية:
1. كفاءة الكوادر والمراكز والتجهيزات الطبية والعلمية والبحثية والتعليمية والخدمية الحيوية والصناعية المُؤَهَّلة والمكتبات وملاجئ الكوارث والإنقاذ ورعاية المعوّقين والفقراء وكفايتها.
2. ارتفاع رواتب المدرّسين والباحثين والأطبّاء والعمّال والفنيين المختصّين.
3. ارتفاع ميزانية إنشاء البنية التحتية والمرافق العامّة والتعليم والبحث العلمي والصحّة، و دعم المُعْدَمين ورعاية الشباب والمعاقين.
4. دعم الصناعات الثقيلة والأساسية والطبية والغذائية الضرورية وتطويرها.
5. توافر المواقع والمنصّات والبرمجيات الإعلامية الموضوعية والتعليم المتقدّم المجّاني والتثقيف العلمي الواعي والألعاب التعليمية والترفيهية الهادفة والتأهيل والتدريب التخصّصي المنتج.
6. الاهتمام بالأمن الغذائي والصحّي والنفسي والفكري والمجتمعي والثروات الوطنية.
7. تساوي الفرص بين الموطنين وتعزيز المحاسبة والشفافية، وتفضيل الوطنيين والمتخصّصين في كلّ المجالات.

معايير أولويات التنمية في الإسلام:
وفي الإسلام نجد أنّ من أكثر الأُسُس والقواعد اهتماماً في تشريع الأحكام واتخاذ المواقف المتعلّقة بمصالح الفرد والمجتمع هو “فقه الأولويات” أو “فقه التوازنات والمصالح”.
وبواسطة ما قدّمه العلماء من مفاهيم حول فقه الأولويات يتّضح بعبارات سهلة أنّه:
فقه تقديم الأهمّ على المهمّ في كلّ المجالات على وفق المعايير والقواعد الشرعية، وتوازنات المصالح والظروف المعتبرة.
ونصوص القرآن والسنة حافلة بِعَدّّ هذه التوازنات والمقاربات المصلحية على مستوى الفرد والدولة.
1. فقوله -تعالى- خطاباً لنبيّه في مكّة:{فاصدعْ بما تُؤمرُ وأعرضْ عنِ المشركينَ… }(الحجر: 94).
بيان وتوجيه إلهي لأولوية المرحلة، وهو الإصلاح والثبات مع حماية الدين والفرد من الاستئصال والفناء، لا أولوية المواجهة والصدام المدمّر.
2. وقوله -صلّى الله عليه وسلم- لعائشة: “لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم” رواه مسلم.
حكمة نبوية وتوجيه للقادة بأولوية وحدة المجتمع والتدرّج ومراعاة أحوال الناس في الإصلاح والتوجيه، لا أولوية تمزيق المجتمع، وإرهاق الناس وتنفيرهم من الدين بالتغيير العنيف والإصلاح السريع.
3. الممارسة العملية من النبي -صلّى الله عليه وسلم- لتحديد أولويات الدولة في التنمية، وذلك واضح في مواقف كثيرة، وأشهرها أوّل ما قام به النبيّ عند وصوله للمدينة وتأسيس الدولة الجديدة حيث كانت أربعة:
أ‌- بناء المسجد: فهو مركز إيماني وقيادي وقضائي وتعليمي وملاذ الفقراء…
ب‌- تأسيس السوق: لإطلاق الاقتصاد البيني في المجتمع الجديد، وتأمين فرص عمل، والاحتياجات الأساسية.
ت‌- المؤاخاة: لتعزيز التآلف والتعاون بين مكوّنات المجتمع.
ج- وثيقة المدينة: لترسيم أُسس المواطنة الصالحة وترسيخ الحقوق والواجبات لمجتمع متنوّع المكوّنات.
وسيقف القارئ مشدوه العقل والفؤاد تقديراً واحتراماً لمستوى النضج العلمي والسبق التنظيمي لعلمائنا حين وضعوا معايير وقواعد جلية ودقيقة لتأصيل فقه الأولويات والتوازنات وتقعيده بطريقة تُسهّل تطبيقه في رسم أولويات التنمية والبناء على مستوى الفرد والدولة.
خصوصاً عند تزاحم المصالح والمفاسد أو المشاريع والاحتياجات التي يطلب من الدولة تأمينها أو تعارضها، وذلك لتحقيق مصالح الناس ويُسر حياتهم وتعزيز سلامتهم العامّة ديناً وجسداً وعقلاً ومالاً…
وذلك بمراعاة عدّة ضوابط تحكم الموقف، وأهمّها:
1. قوّة المصلحة: ضرورية( أصل الشيء ووجوده )، أو حاجية( رفع المشقّة الشديدة )، أو تحسينية( اليسر والرفاه).
2. درجة توقّع حصول المصالح أو المفاسد: وهمي – ظنّي – قطعي.
3. العموم والخصوص: الترجيح ما بين المصالح العامّة أو الكلية والمصالح الخاصّة أو الجزئية.
4. مراتب الحكم الشّرعي: الوجوب والحرمة أو ما بينهما.
5. رتبة المصلحة: الدين – النفس – العقل – النسب – المال.
6. تغيُّر الظروف والأحوال.

مقترحات للعلاج والإصلاح:
1. وجود المخطّطين الإستراتيجيين الثِّقات في بنية كلّ المؤسّسات تجنّباً للارتجال.
2. ترسيخ مبدأ التقييم والمحاسبة والشفافية بفترات متقاربة.
3. تعزيز دور المجتمع المدني في تقييم الحكومات والمساهمة بتقديم الحلول والأفكار الإبدعية المُجْدية.
4. تحديد أولويّات الدولة في التنمية من بواسطة استطلاعات ميدانية وعلمية حقيقية واستشارة النخب المتخصّصة لترتيب أولويات المرحلة للدولة.
5. اعتماد معايير وقواعد دقيقة وواضحة لتحديد الأولويات وتقييم الأداء في كلّ مؤسّسات الدولة تجنّباً للاجتهادات الخاطئة والضارّة في المجتمع.

“كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق