الوحدة الوطنيةسلايدرمقالات الوحدة الوطنية

القضية الكردية في تاريخ سوريا المعاصر

التاريخ الوطني لكرد سوريا وطروء فكر الانفصال بوساطة الأحزاب الكردية

مناصحة – متابعة 

انتقلت المسألةُ الكرديّة -في عهدِ ما بعد الاستقلال- من مسألة وطنيّة إلى ورقة ضمن الصراعات السياسيّة الإقليميّة بين الدول.

تعرّضت المسألة الكردية إلى كثير من التطوّرات والتغيّرات والانقسامات والتجاذبات. يستعرض الملفّ الدور الوطني لكرد سوريا في تاريخ سوريا المعاصر، وكيف حُوّلت عن المسار الوطني، والعلاقة بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي في الثورة السورية.

في سوريا مواطنون كرد قاطنون في البلاد قبل تأسيس الدولة السوريّة بحدودها المعروفة مطلع القرن الفائت، كما حصلت هناك هجرات كردية من تركيا باتجاه سوريا كان سببها التغيّرات التي طالت تركيا الحديثة، ودفعت الكردَ إلى الشمال السوري في هجراتٍ جديدةٍ لم تهدأ حتى اليوم.

منذ بدء التاريخ لم تتوقّف الهجرات بين مناطق العالم بسبب عوامل اقتصادية أو سياسية أو غيرها. تسجِّل المرويّاتُ التاريخيّةُ مثلًا، هجرةَ قبيلة النزاريّة الكرديّة إلى مناطقَ سوريّةٍ مختلفة، منها الشام وحماة.[1] كما حصلتْ هجراتٌ أخرى في عهد الدولة الأيّوبيّة(وعائلتُها الحاكمة مسلمةٌ كرديّة) نتيجةً لتوطّن جزءٍ من جيش صلاح الدين في بعض مناطق الشام وحلب، حيث أنشؤوا أحياءً عاشت إلى اليوم: كحيّ “المهاجرين” في دمشق وحيّ “ركن الدِّين”  تزاد على ذلك هجراتٌ مختلفة إلى مناطق العشوائيّات المحيطة بالمدن الكبرى(كوادي المشاريع قرب دُمّر ومزّة جبل في دمشق، والشيخ مقصود في حلب)، وقد قدِمتْ من منطقة الجزيرة إثر جفافٍ حادٍّ ضربها في ثمانينيّات القرن الماضي، ويقدَّر عددُهم بأكثر من مئة ألف نسمة.

عرض موجز للدور الوطني لكرد سوريا في تاريخ سوريا المعاصر

شاركتْ عائلاتٌ كردية كثيرة، مثل البرازي والشيشكلي والزعيم والحناوي وبدرخان والإبيش وبوظو وزلفو، وشخصيات كردية مثل المؤرّخ محمد كُرد عليّ في النضال الوطني ضدّ الاحتلال الفرنسي على مدى ثلاثين عاماً. ولم يأتِ هذا الدور نتيجة للدافع القومي بقدرِ ما هو نتيجةٌ لامتزاجهم بالمجتمع السوريّ عموماً، مع حفاظهم على تقاليدهم الكرديّة(كالاحتفال بالنوروز مثلاً).

وبغضّ النظر عن بعض الاستثناءات الصغيرة فإنّه لم يحدث أن تعارك الكردُ مع العرب(أو غير العرب) على قاعدة القومية، كما ظلّت حقوقُهم الوطنيّة كحقوق سائر السوريين. ولم يَحُلْ خلوُّ المؤتمر السوريّ الأوّل(باريس 1918م) من الأكراد دون أن يتبوّأ كرديٌّ(هو فوزي السّلو) رئاسةَ سوريا لاحقاً، ودون أن يكون قائدان من قادة انقلابات ما بعد الاستقلال عسكريَّيْن كرديَّيْن(هما حسني الزَّعيم وأديب الشيشكليّ والأخير على ما يُعرف عنه كان متأثًّراً بفكر الحزب السوري القومي الاجتماعي).[2]

بعد إنهاء ثورة الشيخ سعيد النورسي(الكرديّ) سنة 1925م، هاجر كثير من الكرد من الولايات التركية الشرقية إلى شمالي سوريا فوصل أكثرُ من ثمانين ألف كرديّ ليستوطنوا منطقةَ الجزيرة العليا في سوريا (قرب الحدود الحاليّة)، تبعهم عددٌ من الآشوريين من العرب( تسعة آلاف). وقد عمل هؤلاء جميعاً في الزراعة، برعايةٍ فرنسيّةٍ عملتْ على تحويل المنطقة اقتصادياً، لتصبح منطقةً تعجّ بالحياة والعمران(فعلى سبيل المثال تحوّلت القامشلي من شبه قرية إلى مدينة يبلغ عددُ سكّانها 63 ألفًا عام 1940م).[3]

ومع تزايد أعداد الكرد في سوريا إلا أنّهم لم يَطرحوا أيَّ مطالبَ سياسيّةٍ بعيداً عن الفلك الوطنيّ. وبقي ذلك الوضعُ على حاله حتى العام 1936م، حين أثار الفرنسيّون الزعاماتِ المرتبطةَ بهم من كلّ القوميّات في المنطقة، فطالبتْ هذه الزعاماتُ بالحكم الذاتيّ للجزيرة، أسوةً بمطالباتٍ مشابهة في مناطقَ سوريّةٍ أخرى. وكان الهدفُ الأوحد من ذلك هو الضغط على الحكومة الوطنيّة من أجل توقيع ملاحقَ لمعاهدة 1936م تعطي فرنسا أولويّةَ التنقيب عن النفط. [4] وقد استمرّت الحركةُ الانفصاليّة التي ضمّت قياداتٍ كُرديّةً وعربيّةً وآشوريّةً وأرمنيّةً تلقّت من فرنسا سنويّاً مبالغَ ماليّةً كبيرة حتى العام 1937. ومن المطالب المرفوعة إلى المفوّضيّة: مرابطةُ قوة فرنسيّة بصورةٍ دائمة في الجزيرة، وتعليمُ اللغة الكرديّة رسميّاً. وقد جاء الردُّ على الحركة الانفصاليّة من عامودا؛ فحين هاجم الدقوريّون(وهم كُرد مقيمون في المنطقة منذ قرون) الثكنةَ الفرنسيّة في(آب/أغسطس 1937م)، ردّت فرنسا بتدمير عامودا بالطائرات والمدفعيّة، فقُتل 26 شخصاً وشُرّدت ستمئة عائلة.[5]

بعد هذه الواقعة برز الانقسامُ الكرديّ: بين الانفصاليين بقيادة حاجي زلفو آغا، وزعماءِ الكرد في دمشق بقيادة علي زلفو آغا، صاحبِ الدوْر الوطنيّ المشهود إذ قاوم زحفَ غورو على دمشق، فحكمتْ عليه فرنسا بالإعدام غيابيّاً، وأدّى رفضُه الحركةَ الانفصاليّة إلى نزع الشرعيّة عنها.

بين العامَين 1936م و1938م اشتعلتْ ثورةُ “درسيم” في قلب الولايات الشرقيّة للأناضول بقيادة سيّد رضا، فردّت السلطاتُ بتعليق المشانق ونفي الأهالي ومحوِ قرية درسيم من الوجود. وهذا ما أدّى إلى تدفّق كُرديّ جديد إلى منطقة الجزيرة السوريّة،

ثمّ كان إحصاء عام 1962م، ومن غرائبه تجريدُ شخصيّات سوريّة وازنة من جنسيّتها، مثل رئيس هيئة الأركان السوريّة توفيق نظام الدين(1955 ـ 1957م)، وشقيقه عبد الباقي، رئيسِ الوفد الوطنيّ الجزراويّ في مواجهة المفوّض الساميّ الفرنسيّ إبّان الحركة الانفصاليّة عام 1936م. مثلُ هذه الحوادث أفقد الإحصاءَ مصداقيّتَه، إذ بدا كأنّه عمليّةُ انتقامٍ قوميّ عربيّ. وكان الواجهة لهذا الإحصاء المجحف محافظُ الحسكة سعيد السيّد(بعثيّ من دير الزور وصف نفسَه بأنه” قوميّ عربيّ متطرّف”).

وبعد وصول البعث إلى الحكم وانقلاب حافظ الاسد وفي عام 1970م، اتبع النظام سياسة إنشاء حزام عربيّ على طول الحدود مع تركيا استكمالاً لمشروع قديم أيام الوحدة مع مصر. وفي العام 1973م نُقلتْ إلى مناطق الجزيرة أعدادٌ كبيرة من الفلّاحين الذين غُمرتْ أراضيهم في مشروع سدّ الفرات عام1973م. 

 

تحوّل المسألة الكردية عن المسار الوطني

بُعَيْد حرب تشرين 1973م وعد شاهُ إيران(ومن ورائه كيسنجر) الحركةَ الكرديّةَ العراقيّة بدعمها في ثورةٍ تقوم بها في الشمال العراقيّ لنيل الاستقلال عن العراق. لكنْ مع انطلاق المعارك، طلب نظامُ صدّام حسين من الشاه قطعَ دعمه للانتفاضة الكرديّة مقابل تنازلاتٍ عراقيّة في شطّ العرب. وافقتْ طهران وأغلقتْ حدودَها مع كردستان العراق، فمُنيت تلك الانتفاضة(المدعومةُ أميركياً وإيرانياً) بهزيمةٍ ساحقة، هي الأكثر مأساويّةً في التاريخ الكرديّ، وانتهت حياةُ الملّا مصطفى برزانيّ(الرجل الأوّل في الحراك الكُردي) بخسارةٍ أليمة. ولن تكون تلك هي المرّة الأولى التي ستضحّي فيها القوى العالمية بالأكراد على مذبح مصالحها.

وهكذا انتقلت المسألةُ الكرديّة -في عهدِ ما بعد الاستقلال- من مسألة وطنيّة إلى ورقة ضمن الصراعات السياسيّة الإقليميّة بين الدول الأربع.

وفيما يخصّ المسار السوري لم يُسمح للكرد بأيّ حقوق قوميّة ــ كالاحتفال بعيد النوروز القوميّ في 21/3 من كلّ عام- حيث تستنفر الأجهزةُ الأمنيّة، وتبدأ جولةَ اعتقالات بمجرّد المطالبة بأيّ حقّ من الحقوق القوميّة دون مستوى الانفصال، كالسماح بتعليم اللغة الكرديّة والهُويّة السورية للمحرومين منها. واستمرّ الوضعُ الكرديّ تحت الرقابة والقمع ومنع الانتشار في الشمال، وذلك بإصدار قانونٍ يمنع بيعَ الأراضي أوشراءها هناك إلّا بموافقة(مستحيلة) من الأجهزة الأمنيّة ووزارة الدفاع، وبقيتْ مشكلةُ مَن لم يُجنَّسوا معلّقةً مع قانون الطوارئ، حتى انطلاق الثورة في سوريا عام 2011م، حين حُلّت المشكلة بجرّة قلمٍ، في خطوةٍ هدفتْ إلى تجنيب انضمام الكرد إلى الحَراك الشعبيّ.

سنة 1978م ظهر حزبُ العمّال الكردستانيّ حركةً مسلّحة تدعو إلى إقامة دولة كردستان الكبرى، وتتبنّى الماركسيّة اللينينيّة، استفاد الحزب من التجاذبات الإقليميّة السوريّة مع العراق وتركيا، وأقام معسكراتٍ تدريبيّة بدعم من النظام السياسيّ السوريّ في البقاع اللبنانيّ وأخرى بالقرب من دمشق، وبقي ملفّ الحزب نقطة توتّر وخلاف بين سوريا وتركيا حتى عام 1998م، حين طلب حافظ الأسد خروجَ أوجلان من سوريا، وتخلى عن ورقة حزب العمّال.

لكن بقي استخدام النظام للورقة الكردية محلّياً ضمن منظومات علاقته بالمدن والمكوّنات السوريّة الأخرى، خصوصاً في دمشق وحلب. فقد عمل كثيراً على نفي تهمة الإقصائيّة عن نظامه، مثلاً كان الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عرّابَ علاقة النظام برجال الدين الدمشقيّين، وهو مَن صلّى صلاة الجنازة على باسل الأسد في قلب مدينة القرداحة سنة 1994م. ثمّ إنّ الشيخ أحمد كفتارو(كرديّ أيضاً) عمل مفتياً للجمهوريّة طوال عقود. وهناك أسماء كرديّة أخرى لامعة في الشأن العامّ السوريّ، ومنهم من انضمّ إلى تيّار اليسار، وعمل في غالبيّته تحت مظلّة الحزب الشيوعيّ السوريّ(خالد بكداش)، وبواسطته وصل إلى قبّة مجلس الشعب.

في مناطق الشمال السوريّ لم يتغيّر شيء في أحوال الكرد، وهذا شأن بقيّة السوريين. فقد استمرّت القبضةُ الأمنيّة قويّةً، وخفتت المطالبُ(الوطنيّة أو الانفصاليّة). وفي العام 2004م وقع صدامٌ في القامشلي بين مشجّعي فريقَيْن لكرة القدم: نادي الجهاد(القامشلي) الذي يُعَدّ كُردياً، ونادي الفُتوّة(من دير الزور). فلجأ النظامُ -وهذه عادته- إلى الحلّ الأمنيّ فتسبّب في مقتل العشرات، ومئات الجرحى، واعتقال الآلاف، وفصل المئات من الطلّاب والموظّفين، وبقي الوضع على حاله مع ملاحظة زيادة النشاط السياسي السري للأحزاب الكردية في الشمال عموماً والقامشلي خصوصاً حتى انطلاق الثورة السورية.

المسألة الوطنيّة بعد عام 2011م

مع انطلاق الثورة في(آذار/مارس 2011م)، شارك معظم الكُرد في المظاهرات السلمية، مع رفع بعض الشعارات القومية عِلاوة على شعارات الحرّية وإسقاط النظام، وبرز في المظاهرات تيّار شبابي متناغم مع الثورة السورية وتيّار قُدامى الأحزاب السياسية الكردية العتيقة، لاحقاً انضمّ قسمٌ من التيارات الشبابية إلى الحراك المسلّح(كتيبة مشعل تمو).

وأما كرد دمشق فخرجوا كذلك في مظاهرات انطلقت من حيّ الأكراد(ركن الدين) وزورآفا(وادي المشاريع /دمّر) في دمشق، رافعين شعارات الحرّية، بصورة تشبه مطالبَ بقيّة السوريين، من دون وجود أيّ مطالب قوميّة خاصّة.

في(أيّار/مايو 2011م) أصدرتْ معظمُ الأحزاب الكرديّة في القامشلي بياناً وضعتْ فيه تصوّرَها الخاصّ لحلّ سياسيٍّ لـ”الأزمة” فدعت إلى بدء حوارٍ بين النظام والمعارضة، وإلى وضع مبادئ لإصلاحات ديمقراطيّة، منها مجلسُ تأسيسيّ سوريّ، من دون أن تنسى المطالبَ المشروعة للكرد “في إطار وحدة البلاد” وقد كان هذا البيان أوّلَ البيانات التي تقترح حلولاً من منظور “وطنيّ” لِما يجري في البلاد.

في(تشرين الأول/أكتوبر 2011م) أُعلن عن تأسيس “المجلس الوطنيّ الكرديّ في سوريا” برعاية مسعود البرزانيّ، رئيسِ حكومة إقليم كردستان، فحظي بدعم أكثر من 13 حزباً كرديّاً. وقد تقدّم في مؤتمره التأسيسيّ بجملةٍ من المطالبات، أبرزُها: الاعتراف بالمكوّن الكرديّ مكوِّناً رئيساً في البلاد، و”إيجادُ حلّ عادلٍ لقضيّته القوميّة بما يضمن حقَّه في تقرير مصيره بنفسه ضمن وحدة البلاد.” الأمر الذي لم يَرُق لمعظم تيارات المعارضة.

وفي العام نفسه ظهر “المجلسُ الوطنيّ السوريّ”، ومع ذلك بقي الحذرُ الكُرديُّ قائماً إذ لم تنضمّ إلى هذا المجلس إلّا “الحركة الثوريّة الكرديّة”، لكنّه حظي باعتراف إقليم كردستان العراق. كما انتُخب في(حزيران/يونيو 2012م) الكاتبُ والناشط الكرديّ عبد الباسط سيدا رئيساً للمجلس.

وسرعان ما ظهرت الخلافات ضمن المجلس، تعلّقتْ بالموقف من الكُرد بعد إسقاط النظام: هل يكون حكماً ذاتياً أمْ سيتسمرّ الوضع على حاله مع مزيدٍ من الحقوق القوميّة والوطنيّة للكرد؟ هذا الشقاق ترك أثرَه في المجلس، كما في الجمهور الكُرديّ في مناطق الشمال.

في(أيلول/سبتمبر 2012م) انضمّ “المجلس الوطنيّ الكرديّ” إلى “الائتلاف الوطنيّ لقوى المعارضة السوريّة،” وذلك بعد موافقة الأخير على توقيع مسوَّدة تضمّنتْ بنودَ اتفاقٍ تُقدِّم تصوّراً لمستقبل علاقة “الحكم الجديد” بالأكراد. وكان هدف “الائتلاف” من وراء ذلك كسبَ كتلة كرديّة تؤكّد تمثيلَه جميعَ الأطياف.

 

الصراع بين الاتحاد الديمقراطيّ(PYD) والمجلس الوطني الكردي:

بقي المجلس الوطني الكردي حبراً على ورق في مناطق سيطرة “حزب الاتحاد الديمقراطيّ” ذراع حزب العمّال الكردستانيّ. فقد فرض “الاتحاد” سلطانَه على مناطق في شمال البلاد، وفي(تمّوز/يوليو 2012م) هيمن على جميع مؤسّسات مدينة عين العرب(كوباني) بقوّة السلاح من دون معارك، وعلى بعض مؤسّسات عفرين والقامشليّ. وبعد عام تقريباً أكمل “الاتحاد” السيطرةَ على كلّ المؤسّسات المدنيّة، من دون أيّ معارك مع القوّات الأمنيّة السوريّة، ومنها محطّاتُ الوقود والأفران وجميع البنى الخدميّة.

في تشرين الثاني/نوفمبر أعلن “الاتحاد” عن تأسيس “الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة،” مقسِّماً المناطقَ الكرديّة ثلاثَ مقاطعات، هي القامشلي وعفرين وعين العرب، لكلٍّ منها مجلسُه التشريعيّ والتنفيذيّ الخاصّ به، تحت اسم “ورجافا” (غربي كردستان)، فيما يُعدّ خطوةً في اتّجاه فرض الحكم الذاتيّ.

حقيقة الصراع بين التيّارَين كان على طُرق الإدارة، لا على الإدارة نفسها، واعتراض المجلس الكردي على حزب الاتحاد بالدرجة الأولى كان على سياسة التهميش والإقصاء وفرض الأمر الواقع التي اتبعها حزب الاتحاد، وبعبارة أوضح فإنّ الخلافات ليست أيدولوجية إلى حدّ بعيد.

صحيح أنّ العنوان العريض لسياسات “المجلس الوطنيّ الكردي” هو “النضال لتثبيت حقوق الكرد في سوريا.” إلا أنّ ممارساته الفعليّة وتصريحاته ومواقفه في كثير من الأحيان تتجاوز بكثير هذا الادّعاء كوصف سيطرة الجيش الحرّ بالتعاون مع الجيش التركي على منطقة عفرين بالاحتلال.

تطوّرات اليوم

بعد إعلان الإدارة الذاتيّة عن نفسها، وتمدّد داعش في المناطق الشمالية، شعرت تركيا بالخطر على أمنها القومي فقرّر البرلمانُ التركيّ إجازةَ دخول الجيش التركيّ إلى الشمال السوري، فكانت عملية درع الفرات تلاها عملية غصن الزيتون في منطقة عفرين فكانت ضربة للتواصل بين كانتونات قسد الثلاثة.

صحيح أنّ التخلّص من “داعش” زاد إلى قسد رصيداً محلّياً وعالمياً وكان من الممكن أن تنخرط في صفوف الثورة السورية وتشارك في بناء سوريا على وفق عقد وطني بالتعاون مع باقي المكوّنات السوريّة. إلا أنّ قصر النظر القومي لدى حزب الاتحاد المرتبط بحزب العمّال وأجَنداتها وارتباطاتها الدولية زيادة على نشوة الانتصار على داعش أبعدت قسد عن المشهد الوطني إبعاداً كبيراً، ولم يبقَ أمام “حزب الاتحاد الديمقراطيّ” أيُّ اتصال بالمعارضة السوريّة المسلّحة وغير المسلّحة. فعمليّات التهجير والمذابح المرتكَبة ضدّ المكوّن العربيّ أفضت إلى القطيعة التامّة.

مع أنّ علاقات الحزب مع النظام بقيت مستمرّة في الخفاء أكثر من العلن، والمتابع يشعر أنّ الحزب يرغب في مشاركة النظام لكن عقلية النظام هي التي لا تستوعب فكرة المشاركة.

تطوّرات العلاقة بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد(PYD)

في(١٦ كانون الثاني/يناير 2020م) طرح مظلوم عبدي قائد قسد الإرهابية مبادرة لتقارب حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، والمجلس الوطني الكُردي ENKS، المؤلّف من تشكيلة من الأحزاب الكُردية القريبة أيديولوجياً وسياسياً للحزب الديمقراطي الكُردستاني(البرزاني).

جاءت مبادرة عبدي بعد العشرات من الوساطات بين الطرفَين، قادها رئيس إقليم كُردستان العراق مسعود البرزاني منذ العام 2014م، ومن ثَمّ تدخّلت العديد من القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المُتّحدة ودول الاتحاد الأوربي.

في حين كانت قوى المجلس الوطني الكُردي تناهض النظام من الأيام الأولى لاندلاع الثورة، وبقيت على ذلك الموقف حتى انتمائها للمجلس الوطني السوري ومن ثَمّ الائتلاف الوطني السوري ومن ثَمّ الهيئة العليا للتفاوض. على النقيض من ذلك كان حزب الاتحاد الديمقراطي يعتقد بأنّ الرمادية بين نظام الأسد وقوى الثورة السورية هي المصلحة العليا للكرد، على ذلك الأساس دخل في توافقات غير مُعلَنة مع النظام السوري.

والأمر الآخر فإنّ هناك حالة عدائية أيديولوجية وسياسية بين حزب الاتحاد الديمقراطي وتركيا، بينما يسعى المجلس الوطني الكُردي إلى أن يتجنّب أيّ صدام مع تركيا لعدّة أسباب، وعلى ذلك كانت رؤية المجلس الوطني الكردي أنّ الانخراط في صفوف المعارضة يجلب لهم مكاسب أكبر، بينما يختار حزب الاتحاد موقفاً رمادياً ويفضّل أن يكون طرفاً ثالثاً.

مع كلّ تلك الإشكاليات فإنّ الطرفَين يُدفعان إلى التوافق بينهُما في ظلّ ضغوط إقليمية ودولية تفرض عليهما.
يعتقد حزب الاتحاد الديمقراطي بأنّ توافقه مع المجلس الوطني الكُردي قد يقلّل من الضغوط التركية عليه، ثمّ إنّ توافقه مع المجلس قد يقطع حجّة تركيا في أنّ حربها ضدّ طرف سياسي عسكري فحسب، وليس على القوى والمجتمع الكُردي كلّاً، فالتدخّل التركي سيكون أصعب في ظلّ توافق المجلس والحزب.

بينما تتأثر قوى المجلس الوطني الكُردي بمواقف إقليم كُردستان العراق، الذي يعتقد بأنّ مزيداً من تفكّك الإدارة في منطقة شرق الفرات إنّما يضرّ باستقرار الإقليم ونفوذه، فعلى المجلس أن يقدّم تنازلات واضحة للحفاظ على هذه الحالة.

ثمّ إنّ شعور المجلس الوطني الكُردي بأنّ مستقبل العملية السياسية السورية صار هشّاً وضعيفاً قد لا يستطيع تحقيق موقع متميز ضمن المستقبل السياسي السوري. لذلك فإنّه سيُقبل على خيارات أخرى في أكثر من اتجاه.

لا شكّ أنّ قرار التقارب مع حزب الاتحاد والانخراط في إدارته الذاتية سيفقد المجلس الوطني الكُردي مكانته الوطنية والثورية، خصوصاً أنّ تسريبات الاتفاق سلبية للغاية في عيون مختلف تيّارات الثورة السورية، إذ فيه تبنٍّ لآراء حزب الاتحاد بالذات أي عدّ التدخل التركي في منطقة عفرين ورأس العين وتل أبيض احتلالاً، كما تضمّن التبرّؤ من قوّات الجيش الوطني، الأمر الذي دفع كثيراً من الفعاليات الثورية إلى إصدار بيانات التنديد، بل والطلب من الائتلاف طرد المجلس الوطني الكردي من مكوّناته، تزامن ذلك مع إعلان توسعة الائتلاف ليشمل ممثّلين عن مجلس العشائر السورية، وممثّلين عن رابطة المستقلّين الكرد المعروف بوطنيّته ودعوته لمناقشة القضية الكردية في سوريا بين السوريين أنفسهم وقطع علاقة التبعية مع الأحزاب الكردية في إقليم كردستان وتركيا، بينما لم يعلّق الائتلاف على هذا الاتفاق إلى الآن.

 

[1]  أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، الجزء الأول، تحقيق: أدريان فان ليوفن وأندري فيري(الدار العربيّة للكتاب والمؤسّسة الوطنية، طبعة 1992)، ص 574.

[2] كمال ديب، تاريخ سوريا المعاصر من الانتداب الفرنسيّ إلى 2011 (بيروت: دار النهار)، ص 123.

 

[3] محمد جمال باروت، ضمن مجموعة مؤلّفين، العرب وتركيا، تحدّيات الحاضر ورهانات المستقبل(بيروت: المركز العربي لدراسة السياسات، ط 1، 2012)، ص 135

[4] المصدر السابق، ص 144.

[5] العرب وتركيا، ص 149.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق