التشيع السياسيسلايدرمقالات التشيع

شتم السّيدة عائشة (رضي الله عنها).. الأبعاد والدلالات

إعداد فريق مناصحة

 


مناصحة – متابعة 

كان الناس في بلادنا سابقاً يتناقلون بينهم أخباراً حول مسألة الّلعن والسّباب والشّتائم الّتي تجري أثناء مسيرات أو فعاليات للشّيعة متناولةً رموزاً من رموز الأمّة وأكابرها كالخلفاء الرّاشدين(أبي بكر وعمر وعثمان) والسّيّدة عائشة(رضي الله عنهم جميعاً) وغيرهم من الصحابة الكرام(رضي الله عنهم) ومن التابعين.
وكان النّاس حيال هذه الأخبار بين مصدّق لها ومشكّك فيها، لكنّ المسألة هذه اليوم أصبحتْ محلّ جزم لدى الجميع، ذلك أنّ وسائل الإعلام والمقاطع المصوّرة تُظهر ظهوراً لا لَبس فيه وجود هذه الممارسات المدانة والبعيدة كلّ البعد عن مبادئ ديننا الحنيف وشرعنا الكريم وعن كلّ الأخلاق الإنسانية.

يقوم بهذه الجريمة بعض من يدّعي اتّباع آل بيت النّبي صلّى الله عليه وسلّم والانتساب إليهم، ولو صدق هؤلاء في اتّباع آل بيت النّبيّ الأطهار لكانوا متّبعين لنهجهم وهديهم وأخلاقهم السّامية، فآل بيت النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- هم أبعدُ النّاس عن الفحش والشّتائم، وهم أكثر النّاس أدباً وكرمَ أخلاقٍ، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بأصحاب النّبيّ الكرام، وزوجاته أمّهات المؤمنين الطّاهرات.

إنّ الحقيقة الّتي ينبغي قراءتها جيداً مِن وراء هذا السّلوك المتمثّل بسبّ وشتم الرّموز هي أنّ هذا الشّتم وإن تناول أشخاصاً بعينهم لكنّه في أبعاده يتناول الأمّة كلّها بماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويحقد فاعلوه على الأجيال كلّها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، بل يصل حقدهم إلى ساكني القبور فيقومون بنبشها حسّاً كما ينبشون الأحقاد التاريخية معنىً، وهذا ما يجعل هذه الجريمة عدواناً أكبر وسبباً في مزيد من العدائية والكراهية ومزيد الغلّ و الأحقاد، وإنّ الأمّة الّتي لا تغار على رموزها هي أمّة ميتة، وإنّ الأجيال الّتي تعتزّ برموزها هي الأجيال الصّادقة في انتمائها والواعدة بغدٍ كريم لأمّتها.

يقول “أمير القرشيّ” وهو أحد المعمّمين الشّيعة: “إنّ فايروس كورونا لم يخرج من الصّين، بل من دين أبي بكر وعمر، وبالذّات من عائشة وعمر”. هذا الكلام الّذي يقوله هذا المعمَّم على سقوطه علميّاً وعلى تهافته ودناءته أخلاقيّاً، يدلّ على مقدار الحقد الّذي ينطوي عليه قلبه وقلب أمثاله من مُشْعلي الكراهية ومثيري الفتن، والأخطر هو توريث هذه الأحقاد وإثارة الضّغائن. نعم إنّ كثيراً من العقلاء يرون أنّ أمثال هذا المعمَّم يفضح نفسه ويبلغ منها بجهله مالا يبلغه منها العدوّ ، لكنّ المسألة لا تتعلّق به وحده، بل بأتباعٍ جهلةٍ غيّبوا عقولهم وسلّموا قِيادَهم لأمثال هذا المعمَّم فصاروا لعبةً ناريّةً وقنابل موقوتةً خطرةً على الأمّة والإنسانيّة كلّها.

لقد جدّد هذا الأذى ما جرى حديثاً في لبنان وتحديداً في المناطق الّتي يسيطر فيها ما يُسمّى ب”حزب الله”، فبالأمس القريب خرج أتباع هذا الحزب بمسيرات تهتف سباباً وشتماً للسّيّدة عائشة أمّ المؤمنين(رضي الله عنها)، وهي الطّاهرة المبرَّأة في كتاب الله عزّ وجل من فوق سبع سموات، هذا الحزب الّذي يروّج على أنّ أتباعه هم من النّخبة وأنّهم أبعد النّاس عن الطّائفيّة والكراهية، وأنّ هؤلاء الاتباع تربّوا على مبادئ الإسلام وأخلاق المجاهدين، وغير ذلك من الصّفات الّتي يطلقها هذا الحزب وقادته على أتباعهم، فإذا كان هذا هو الحال مع من يُسمّون بالنّخبة، فما هو حال عامّتهم؟!
إنّ المراقب لما تركتْه وخلّفتْه هذه المسيرات والهتافات في لبنان يجد أنّها كادتْ تُشعل فيه حرباً طائفيّةً جديدةً تحرق الأخضر واليابس في بلد لم ينسَ بعد ألم الحرب الطّائفيّة وفظائعها، كلّ هذا يدلّ على مدى خطورة هذه الممارسات على المنطقة والأمّة كلّها.

لا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّ الخطورة الأكبر تأتي عندما يُرَبَّى الأطفال مبكِّراً على ثقافة السّبّ والشّتم هذه، لينشأ هؤلاء على الكراهية والطّائفيّة الحاقدة، وكذلك ما كان هذا الأمر ليُصدَّق لولا وجود الفيديوهات المصوّرة لمثل هذه الوقائع السّيئة في العراق وغيره من بلدان المنطقة، تلك الوقائع الّتي يأمر فيها المعلّمون الطّائفيون تلاميذَهم بلعن أبي بكر وعمر(رضي الله عنهما). إنّ هذه التّربية الحاقدة هي صنو تربية هؤلاء الأطفال على ثقافة الّلطم والتّطبير، والمشاهدة المبكّرة لمناظر القتل والعنف فيما يُسمّى بهيئات الكشّافة لديهم، هذه الثقافة التي يصعب محوها وإزالتها من صدور من تربّى عليها لأنّها جرت في مرحلة الطفولة أكثر مراحل التربية خطورة وحساسية.

وكذلك يظهر مدى خطورة هذه الثّقافة عندما يصبح من معالم زيارات المراقد والأئمّة أن يجري الّلعن والسّباب للخلفاء الرّاشدين ويصير هذا السّلوك جزءاً راسخاً أساسيّاً في تلك الزّيارات وكأنّه عبادة يجري التقرب بها، ذلك أنّ الّذين يقومون بعبارات الشّتم والسّباب هنا هم معمّمون يقتدي بهم من يسير وراءهم ويردّدون أقوالهم ويرون في هذا تقرّباً وتديّناً وعبادة.

ولا شكّ أن الدّين الحقّ والأنبياء والمرسلين بعثهم الله رحمةً للخلق ولم يبعثهم عذاباً ولا لعّانين، ولكنّ أمثال هؤلاء المعمّمين على الله ودينه وشريعته السّمحاء يفترون وعلى عباده وأوليائه يعتدون.

إنّ وقفة سريعة على هذا السّلوك تستطيع أن تخبرنا عن الخطورة البالغة الّتي ينطوي عليها ذلك السلوك الإجرامي، وإنّ أبرز مظاهر هذه الخطورة يتمثّل بإثارة الأحقاد الّتي تُفضي إلى كلّ أنواع الشّرور من التعذيب والقتل وغيره من ألوان الإجرام والإيذاء، وعلى صعيد المجتمعات والدّول ذات النّسيج المتعدّد والشرائح السكّانية المتنّوعة فإنّ هذه الثقافة تهدّد السّلم الأهلي وتقتل التعايش بين أبناء البلد الواحد، وتُدخل البلاد في فوضى عارمة تساهم في تفتيتها وإضعافها، ولا يشكّ عاقل في مدى هذه الخطورة على وجود الأمم وحضارتها وبقائها.

بعد كلّ حادثة من هذه الحوادث الّتي تظهر للعلن وتثير الرّأي العام ضدّ القائمين باللعن والسباب وضدّ من يقف وراءهم، يستنكر عدد من المراجع والمعمّمين هذه الأفعال ويتبرّؤون منها، بل ويقول بعضهم بفضل السّيّدة عائشة(رضي الله عنها)، فهل مثل هذه الأصوات تكفي لمعالجة هذا السلوك الخطير؟!

إنّ الدّارس المتتبّع لهذا السلوك ومنبعه يجد أنّ هذه الثّقافة لا يمكن أن تنتهي ما لم يكن هنالك تناول حقيقي للمناهج التي تُرَبّى وتُنَشّأ الشيعة عليها في المدارس والحوزات وهيئات الكشّافة والهيئات الشبابية وغير ذلك من المؤسّسات التي تتعلّم فيها أجيال الشيعة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى وسائل الإعلام وما يُبثّ فيها، ومراجعة الكتب المعتمدة لديهم، وإلّا فإنّ هذا الاستنكار من بعض مراجع الشيعة لن يكون علاجاً حقيقيّاً لهذه الجريمة الممتدّة تاريخياً، بل سيقرأ كثير من المسلمين أنّ هذا الإنكار هو تبادل للأدوار لا يحمل أدنى درجات المصداقية والجدّية في السعي لإطفاء هذه النار التي تهدّد المنطقة كلّها بالاشتعال في أيّ وقت.

إنّ من أعظم المظاهر الحضارية والأخلاق السامية لدى المسلمين “السّنّة”، أنّ ردّات الفعل لديهم لا يمكن أن تكون أبداً انسياقاً مع سلوك الشّتم واللعن، لذلك فهم مع شديد غضبهم على الذين يشتمون السيدة عائشة والخلفاء الراشدين(رضي الله عنهم) تراهم يُعظّمون سيدنا عليّاً(رضي الله عنه) وذرّيّته وآل البيت جميعاً، ولا تجد مسلماً واحداً يتجرّأ أن يقوم بردّة تُوقِعه في النيل أو الانتقاص من قدر واحد من آل بيت النبي(عليه الصلاة والسلام) العلّة في هذا هو الانسجام التام بين ما يُصرَّح به من علماء المسلمين “السنة” على العلن وبين ما يُرَبّى عليه النّاشئة والأجيال في المدارس والمساجد والمعاهد الشرعية، وهذا الاحترام عند المسلمين السنة يشمل كلّ الأنبياء والمرسلين(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وكلّ أصحاب النبي(صلى الله عليه وسلم وآله جميعاً)، ولا يمكن أن يصلح الحال وتنتهي الشرور والفتن إلا بالانسجام بين ما يُصرَّح به للعلن وبين ما تُربّى عليه الأجيال ويقال في السرّ والخلوات.

كلّ ما سبق من عرض سريع لمسألة شتم الرّموز والنّيل منهم لدى من يدّعي اتّباع آل بيت النبي(صلى الله عليه وسلم) ومحبّتهم، يدلّ على أنّ هذه الجريمة لا تنتهي إلا بتفكيك منظومة الكراهية والعدائيّة، هذه المنظومة التي لها مظاهر عديدة، أحد هذه المظاهر هو السبّ واللعن والشتم، أمّا المظاهر الأخرى فهي الشّعارات التي تنادي بالثّأر “يا لَثارات الحسين”، و”لن تُسبَى زينب مرّتَين”، وكذلك الأعمال الفنّية التي تستدعي التاريخ وتثير مسألة المظلومية وأنّ ” النواصب” (على حدّ تعبير أصحاب هذه الثقافة الطائفية القاتلة) وأحفادهم يجب الانتقام منهم، يزاد على ذلك الاعتداء على المساجد وتحويلها إلى حسينيات في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الشيعية في سوريا وغيرها من دول المنطقة، إلى غير ذلك من مفردات منظومة الكراهية والعدوانية. والحقيقة إنّ هذه المنظومة هي الصانع الحقيقي لكلّ الممارسات الإجرامية من الحصار والقتل والتهجير، وإنّ هذه الجرائم لا يمكن التخلّص منها إلا بمعالجة منبع المرض وحقيقته المتمثّل بتلك المنظومة القاتلة، بل الصانعة لأبشع أنواع القتل والجريمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق