الوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

“مؤتمر اللاجئين السوريين” الأسباب والمواقف الدولية والوطنية

في هذا الملفّ نستعرض أسباب الدعوة الروسية لعقد مؤتمر للاجئين، ومحاولاته المتكرّرة لتعويم نظام الأسد، وأبرز المواقف الدولية من المؤتمر، كما نستعرض المواقف الوطنية.

مناصحة – متابعة 

من جديد تحاول روسيا من عن طريق الدعوة لمؤتمر اللاجئين الالتفافَ وخداع المجتمع الدولي بأنّ الظروف آمنة في سوريا لعودة اللاجئين، وهذا ما قاله لافروف منذ فترة قريبة مع استمرار القصف في الشمال السوري، وتردّي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات النظام.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد دعت إلى عقد “مؤتمر للاجئين السوريين” تحت رعاية روسية لأول مرّة في(٥ من أيلول/سبتمبر عام 2018م) ووصفته بالحدث التاريخي.

وكانت موسكو قدّمت للولايات المتّحدة الأمريكية مقترحات في(٢١ من تموز/يوليو 2018م) أثناء قمة “هلسنكي” التي جرت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره الروسي بوتين، حول تنظيم العمل لعودة اللاجئين السوريين وتشكيل مجموعة مشتركة لتمويل إعادة إعمار البنية التحتية السورية.

وتضمّنت المقترحات “وضع خطّة مشتركة لعودة اللاجئين إلى الأماكن التي كانوا يعيشون فيها قبل النزاع، وخاصّة عودة اللاجئين من لبنان والأردن، وتشكيل مجموعة عمل مشتركة روسية -أمريكية – أردنية، برعاية مركز عمان للمراقبة، وكذلك تشكيل مجموعة مماثلة لها في لبنان”.

وإثرها التقت المجموعة المصغّرة للدول السبع(المؤلَّفة من ألمانيا والمملكة العربية السعودية ومصر والولايات المتّحدة الأمريكية وفرنسا والأردن والمملكة المتّحدة)، وأصدرت بياناً يؤكّد أنّه لا يوجد حلّ في سوريا قبل إيجاد حلّ سياسي دائم على أساس قرار مجلس الأمن الدولي رقم “2254”.

ولم ينعقد المؤتمر مع المحاولات الروسية الساعية لانعقاده من أجل الحصول على التمويل لإعادة الإعمار من الدول المانحة.

مواقف دول مجلس الأمن الدولي من الدعوة الروسية:

المتحدّثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عادت وأعلنت في 23 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي عن انعقاد المؤتمر في 11 و12 من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.

الموقف الأمريكي حاسم في هذا الأمر وخاصّة في ضوء قانون “قيصر” الذي يعزل النظام السوري ويحذّر الشركات الروسية والإيرانية والأوروبية من التعامل معه.

إذ ردّت الولايات المتّحدة من جهتها على الدعوة الروسية في اجتماع لمجلس الأمن الدولي جرى عبر الإنترنت في 27 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي. فدعت إلى مقاطعة دولية للمؤتمر الروسي،

وقال نائب سفير واشنطن لدى الأمم المتّحدة ريتشارد ميلز إنّه “من غير المناسب تماماً أن تشرف موسكو التي تدعم بشار الأسد، على عودة اللاجئين.”

وقال سفير فرنسا لدى الأمم المتّحدة نيكولاس دي ريفيرا إنّ مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتّحدة يجب أن تأخذ زمام المبادرة في إعادة اللاجئين السوريين، وأردف أنّ باريس “ستعارض أيّ محاولة لتسييس موضوع عودة اللاجئين.”

وصرّح ريفيرا للمجلس بأنّ “شروط العودة الآمنة والكريمة والطوعية للاجئين السوريين لم تتحقّق بعد”، وأكّد أنّ عودة اللاجئين “لن تجري إلا في حال حدوث العملية السياسية الموثوقة، ولا يمكن لأيّ مؤتمر أن يحقّق ذلك.”

كما دعا مبعوث الأمم المتّحدة إلى سوريا غير بيدرسون الذي التقى بوزير الخارجية السوري وليد المعلم، ومسؤولين آخرين في دمشق في 25 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي إلى “جهد جادّ وتعاوني” لمعالجة “العودة الآمنة والكريمة والمستنيرة والطوعية.”

ألمانيا: دمشق ليست آمنة!

كما صرّحت وزارة الخارجية الألمانية في حزيران/يونيو الماضي، أنّ سوريا لا تزال مكاناً غير آمن للاجئين السوريين، وأصدرت بياناً قالت فيه: “لا تزال هناك مخاطر جمّة على اللاجئين في سوريا، سواء بسبب الميليشيات العديدة ونِقاط التفتيش التابعة لها أو الأسلحة الموجودة في يد هذه الميليشيات التابعة للنظام، الذي لا يزال يستخدمها بلا رحمة ضدّ الشعب السوري بواسطة أجهزة الاستخبارات العديدة التابعة له.”

 

لماذا الإصرار الروسي؟

المؤتمر هو محاولة روسية لدعم النظام السوري وإنقاذه من أزمة الكوارث الاقتصادية التي يعيشها، ولتحصل ضريبة تدخّلها العسكري بتمرير ملفّ إعادة الإعمار عبر مافياتها الاقتصادية، ثمّ إنّ روسيا تريد عقده في دمشق، لأنّ الذهاب إلى دمشق يعني الاعتراف بالنظام بطريقة أو بأخرى، الأمر الذي ترفضه معظم الدول.

هل ينجح المؤتمر؟!

يستحيل نجاح المؤتمر بسبب استمرار النظام في تعنّته وعدم وجود أيّ تجاوب منه في العملية السياسية مع اللجنة الدستورية. زيادةً إلى الفيتو الأمريكي، وعدم إمكان العودة الآمنة للاجئين أصلاً في ظلّ استمرار حرب النظام على الشعب واستمراره في قصف الشمال السوري، عِلاوةً على تردّي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والفلتان الأمني الذي تشهده مناطق سيطرة النظام.

الناشطة في مجال حقوق الإنسان وباحثة سوريا في قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظّمة “هيومن رايتس ووتش” سارة الكيالي قالت في حديث لها مع صحيفة “عنب بلدي”: إنّ “الأسباب الأساسية التي أجبرت السوريين على النزوح في المقام الأول ما زالت موجودة، مثل الاعتقالات التعسّفية والتعذيب داخل السجون، والوضع الإنساني والاقتصادي المأساوي وخاصّة في مناطق النظام السوري”.

وأشارت كيالي إلى انتهاكات حقوق الملكية والأرض وحقّ الحصول على منزل، وهي حقوق انتهكتها الحكومة السورية حتى بعدما تراجعت مظاهر الحرب بالعديد من المناطق في سوريا.

وترى الكيالي أنّ تأثير هذا المؤتمر ينحصر في زيادة الضغط على اللاجئين، وخاصّة من حكومات دول الجوار فيما يخصّ العودة الطوعية.

ولا تعتقد كيالي أنّ هذا المؤتمر سينجح أيضاً؛ لأنّها ليست المحاولة الأولى لروسيا، ولأنّها لا تريد أن تغيّر شيئاً في الوضع السياسي فلن تكون هناك عودة للاجئين.

وتعود دفعات محدودة من اللاجئين في لبنان إلى سوريا، بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية ضدّ اللاجئين، وحملات رسمية وشعبية تنادي بعودتهم، إلى جانب تضييقيات أمنية وحقوقية تجاههم.

ويوجد في لبنان وحده ما يُقدّر بنحو 1.5 مليون لاجئ من سوريا بحسب الأرقام الرسمية، لكنّ المسجّلين رسمياً لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة يبلغ عددهم حوالي 950   ألفاً فقط.

بينما يعيش في الأردن ما يقارب 660 ألف لاجئ سوري مسجَّل لدى مفوضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين.[1]

المجموعة المصغّرة حول سوريا ضدً المبادرة الروسية:

غابت أصداء الدعوة الروسية لعقد مؤتمر للاجئين السوريين في دمشق، ما يشير إلى فشل جديد في محاولة روسيا اللعب على وتر اللاجئين لاستمالة الدول المحيطة في سوريا، ولا سيّما لبنان والأردن وتركيا، التي تؤوي معاً أكثر من خمسة ملايين لاجئ سوري مسجَّل.

ولم تعلن أيّ دولة حتى اليوم بما في ذلك لبنان حضورها لمؤتمر اللاجئين في دمشق مع الجهود الروسية في هذا السياق.

وألمح السفير الروسي في الأردن غليب ديسياتنيكوف الإثنين الماضي إلى عقبات تعتري محاولة روسيا في حشد الدعم الإقليمي لإنجاح المؤتمر المزمع عقده في دمشق يومي 11 و12 من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.

وقال السفير الروسي: “من المطلوب الانطلاق من أنّ المؤتمر له طابع إنساني بحت، وأنّه لا يستهدف إطلاقاً المساهمة في ما يسمّى بترسيخ شرعية النظام كما يحاول أن يصنّفه بعض اللاعبين المعروفين الهادفين لحرمان هذا الاجتماع من الدعم الدولي المطلوب.”

وبات المؤتمر أمام معضلة بعد أن تحرّكت المجموعة المصغّرة حول سوريا باكراً ضدّ المبادرة الروسية.

وجاء في بيان المجموعة المصغّرة الصادر عن وزراء خارجية فرنسا وألمانيا والسعودية والأردن ومصر والمملكة المتّحدة وأمريكا في 22 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي: “ندعو النظام إلى وقف الإجراءات التي تردع اللاجئين وتمنعهم من العودة وإلى أن يتّخذ بدلاً من ذلك الخطوات الإيجابية اللازمة لتوفير العودة الطوعية والآمنة والكريمة.”

ودعا البيان النظام وروسيا إلى اتخاذ الخطوات لتهيئة بيئة آمنة ومحايدة من شأنها أن تمكّن السوريين من إجراء انتخابات حرّة ونزيهة وذات مصداقية تحت إشراف الأمم المتّحدة وبشكل يتيح للنازحين واللاجئين والمهاجرين المشاركة فيها.

المواقف الوطنية:

ترفض أطياف الثورة عقد أيّ لقاء أو اجتماع ضمن أيّ مسار سياسي في دمشق من دون تحقيق انتقال سياسي، وهذا ما كان واضحاً عند رفض فكرة عقد اجتماعات للجنة الدستورية في دمشق بمقترح من موسكو. والموقف نفسه من مؤتمر اللاجئين فقد رفضت كلّ أطياف الثورة السورية دعوات روسيا للمؤتمر ومحاولتها تعويم النظام وأصدرت عدّة قوى ثورية بياناً مشتركاً أعربت فيه عن رفضها “لمؤتمر اللاجئين” الذي دعا له الاحتلال الروسي ونظام الأسد في دمشق، وأكّدت فيه أنّ النظام الروسي يحاول محاولات متكرّرة إعادة تعويم نظام الأسد القاتل ومنحه شرعيةً وهميّة عبر خطوات عدّة أثبتت جميعُها الفشلَ.

وتطرّق البيان إلى العملية السياسية، حيث أكّد أنّها متعثّرة بسبب تعنّت نظام الأسد وداعميه ورفضهم للانتقال السلمي للسلطة، تزامناً مع استمرار وجود الجيوش الأجنبية والميليشيات الإيرانية وميليشيا “حزب الله” اللبناني والمرتزِقة الروس داخل سوريا.

 

 

 

وجاء في البيان: أنّ روسيا تتجاهل ممارستها طيلة خمس سنوات من قتل وإجرام وتهجير ممنهج واستهداف لكلّ مقوّمات الحياة في سوريا عبر استهدافها المتعمَّد للمستشفيات والمدارس وحتى الأفران والأسواق الشعبية حيث كانت السببَ الأبرز والمباشر في حصول أكبر موجة نزوح داخلي وتهجير خارجي في التاريخ الحديث.

عِلاوةً على استمرار روسيا في محاولات الحسم العسكري، وإصرار نظام الأسد على الحلول الأمنية، والاعتقال التعسّفي والانتقام من العائدين إلى سوريا بطرق مختلفة وبحجج واهية.

كما تعرّض البيان لتجاهل روسيا للكارثة الاقتصادية الكبرى في سوريا في ظلّ فشل نظام بشار الأسد وعجزه عن تأمين أصغر احتياجات السوريين.

وعدّ دعوة روسيا مع كلّ الإجرام والوحشية التي مارستها منتهى الوقاحة.

واستغرب البيان من دعوة روسيا بينما لا يزال المعتقَلون مُغيّبين في زنازين النظام، ولا يزال مصير المفقودين مجهولاً،  ولا تزال آلة القمع تعمل في الشعب السوري  قتلاً وتدميراً وتشريداً وسرقةً ونهباً، ولا تزال العملية السياسية  متعثّرة بسبب تعنّت النظام السوري وحلفائه ورفضهم للانتقال السلمي للسلطة، ولا تزال الجيوش الأجنبية منتشرة في الأراضي السورية، ولا تزال الحركات الانفصالية فعّالة ومدعومة من بعض القوى الدولية، ولا تزال البنى التحتية مدمَّرة، ولا يزال الفقر يعمّ أرجاء البلاد، ولا تزال الاعتقالات والاغتيالات وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية مستمرّة.

وتوجّه الموقِّعون على البيان بالشكر للدول التي رفضت حضور المؤتمر الذي دعت له روسيا.

كما أصدر المجلس السوري للتغيير، وحركة العمل الوطني، والتحالف العربي، ورابطة المستقلّين الكرد السوريين، وحركة السوريين الديمقراطيين بياناً مشتركاً كذلك أكّدوا رفضهم لدعوة موسكو، وجاء في البيان: “لا يمكن أن تتمّ عملية إعادة 14 مليوناً شرّدهم نظام الأسد وحلفاؤه، دون توفير الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة ومستلزماتها من حيث الأمان والبنى التحتية وفرص العمل، في ظلّ وجود نظام بات عاجزاً عن توفير رغيف الخبز لمن هم في مناطق سيطرته”.

وزاد البيان: إنّ الرفض المطلق والتامّ من قِبل السوريين والمجتمع الدولي وفي المقدّمة الولايات المتّحدة ودول الاتحاد الأوربي لإعادة الإعمار دون حلّ سياسي يجعل المؤتمر بحكم الميت قبل ولادته”.

هذا الإجماع الوطني، ومن خلفه المجتمع الدولي يجعل المؤتمر مجرّد محاولة روسية جديدة لكسب ملفّ إعادة الإعمار وتعويم الأسد وإظهاره بهيئة المنتصر وأنّ الأمور قد حُسمت وانتهت، بينما الواقع يكذب تلك الدعاوي ويثبت أنّ الثورة ما زالت مستمرّة.

 

[1] https://www.enabbaladi.net/archives/430104#ixzz6dPnayrhW

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق