الوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

رغيف الخبز.. سيف في يد النظام لتركيع السوريين

نستعرض في ملف الأسبوع أزمة الخبز في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وكيف يتعامل النظام مع الأزمة؟ وما الإجراءات التي تتّخذها في مواجهة الأزمة؟ وما دور البطاقة الذكيّة؟

مناصحة – متابعة  

تقول رواية الخبز الحافي: “في زمن الجوع لا يوجد خبز سيّئ” [1]، ولكن ماذا يأكل السوريون القابعون تحت حكم عصابة بشار إذا لم يجدوا خبزاً سيّئاً حتى؟

وكيف يصنعون بعد أن دخل رغيف الخبز في أسواق البورصة السورية التي يديرها أمراء الحرب ومرتزِقة نظام الأسد الذي سقط من يده شعار “الخبز خطّ أحمر” بعد أكثر من خمسين عاماً على استغلاله لإسكات صوت بطون السوريين من مبدأ “أنا أعطيكم خبزكم كفاف يومكم”!

جرت عادة النظام -وهو حال كلّ الأنظمة المستبدّة- أن ينكر الأزمات الكبرى التي يعاني منها مهما كان أثرها سلبياً في المواطنين، فإذا طفحت الأزمة وانتشرت عبر وسائل الإعلام ينقل تركيز المواطنين من المشكلة إلى أسبابها على وفق رؤية النظام نفسِه.

بالأمس عدّ رأس النظام “بشار الأسد” أنّ السبب الرئيس للأزمة الاقتصادية التي تعصف بمناطق سيطرة النظام هي احتجاز القطّاع المالي اللبناني لمليارات الدولارات العائدة لأشخاص سوريين.

وذكر أنّ ودائع مالية تُقَدّر بـ20 مليار دولار وحتى 42 ملياراً قد احتُجزت في لبنان، وعدّ هذا الرقم مخيفاً بالنسبة إلى اقتصاد سوريا.

وأشار إلى أنّ الأموال التي ذهبت في لبنان هي السبب في تعمّق الأزمة الاقتصادية، وليس الحصار المفروض على “سوريا”، أو قانون “قيصر”، لأنّ الأزمة موجودة قبل تطبيق القانون.

يُذكر أنّ الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة نظام الأسد تعمّقت في الأشهر الماضية بسبب انهيار الليرة السورية أمام الدولار، وبدأت أخيراً أزمات جديدة تطفو على السطح بسبب شحّ المحروقات والغاز المنزلي، وتراجع أداء الأفران لتبدأ معاناة السوريين مع الخبز.

فقد ارتفع سعر ربطة الخبز(أقلّ من 2 كغ) من 50 إلى أكثر من 1000 ليرة سورية(حوالي نصف دولار)، مع تراجع مخزون الدقيق في المخازن.

مواقع التواصل الاجتماعي ضمن مناطق سيطرة النظام تتحدّث أنّ “أزمة الخبز مستمرّة وأنّ بعض المناطق والمدن السورية لم يصل إليها الخبز منذ يومَين، ومنها الغزلانية بريف دمشق ومدينة درعا جنوبي سوريا”.

وحول الأسباب التي زادت من أزمة الخبز أخيراً أوضحت المصادر أنّ السبب الأوّل: يعود إلى تأخّر وصول القمح الذي تعاقدت عليه حكومة الأسد مع روسيا بتوريد 200 ألف طن، وتأخّر مناقصة من الدول الأوروبية بالكمّية نفسها، ما دفع المؤسّسة العامّة للحبوب في سوريا إلى إعلان حاجتها وبالسرعة الكلّية إلى توريد كمّيات كبيرة من القمح عن طريق المرافئ السورية،
أمّا السبب الثاني بحسب المصادر: فيتمثّل في تراجع إنتاج القمح في سوريا من نحو 4 ملايين طن إلى أقلّ من 1.5 مليون طنّ واستلام نظام الأسد نحو 500 ألف طن فقط من الإنتاج.

ونقل موقع العربي الجديد عن المهندس محمد شباط موظّف في محافظة دمشق قوله: هذه “ذرائع واهية”، ويؤكّد أنّ السبب الحقيقي نقص القمح والطحين وانتشار الفوضى وبيع الطحين في السوق السوداء بأضعاف سعره.
ويكشف شباط أنّ وزارة التجارة الداخلية عاجزة عن تأمين مخصّصات الأفران، ما خلق سوقاً موازياً للخبز وبيع “الربطة بألف ليرة”. ويزيد شباط أنّ هناك دراسة في محافظة دمشق الآن لتخفيض مخصّصات الأسرة من الخبز إلى النصف وتخفيض بيعه لمن لا يحمل بطاقة ذكية وفصل بطاقات الريف عن المدينة بعد اعتماد موزِّعين وإعطائهم هامشَ ربح 10 ليرات للربطة الواحدة. [2]
ويعاني معظم السوريين من ضعف القدرة على الوصول إلى الموادّ الغذائية بعد ارتفاع الأسعار بنحو 13 ضعفاً في سنوات الثورة ووصول متوسّط إنفاق الأسرة إلى نحو 450 ألف ليرة بحسب مركز قاسيون للأبحاث من دمشق، في حين لا يزيد متوسّط الأجور على 50 ألف ليرة.

وكان مايك روبسون ممثّل منظّمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتّحدة في سوريا قد أكّد أخيراً أنّه “ثَمّة أدلّة بالفعل على أنّ الناس بدؤوا يستغنون عن وجبات”، وأردف: “إذا بقيت العملة تحت الضغط فسيكون من الصعب الحصول على الواردات، وربّما تشهد الشهور التي تسبق محصول القمح لعام 2021م نقصاً حقيقياً.

وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أنّ عدد الذين “لا يشعرون بالأمن الغذائي” في سوريا ارتفع من 7.9 ملايين فرد إلى 9.3 ملايين فرد عام 2020م. [3]

وتستورد سوريا أكثر من مليون طن من القمح سنوياً لسدّ الحاجة المقدّرة بنحو 2.5 مليون طن للاستهلاك المحلّي، إذ تأتي روسيا في مقدّمة الدول المصدّرة لسوريا.

ويرى الاقتصادي السوري محمود حسين أنّ الغلاء وقلّة العرض على صعيد الخبز خاصّة الذي رفع نظام الأسد سعره ثلاث مرّات منذ الثورة عام 2011م، إنّما هو مقدّمة لسحب الدولة دعمها لهذه المادّة، بعد أن أدخلتها منذ أشهر في مقدّمة التوزيع المقنّن عبر البطاقة الذكية إلى ما دون حاجة الأسرة السورية.

الخبز.. سيف بيد النظام

تركّزت سياسات النظام وداعميه الرئيسيَّين روسيا وإيران على محاولة حصر المساعدات الدولية في مؤسّسات النظام لتمويل ميليشياته، عِلاوة على محاولة السيطرة على مصادر القمح الخارجة عن سلطته في الجزيرة الفراتية مستعيناً بالنفوذ الروسي.

ثمّ عوّل النظام على أن يُستَورَد القمح الروسي تعويضاً عن نقص القمح الناتج عن تحطّم شبكات الإنتاج الزراعي شرقي الفرات أولاً، وعن حرق المحاصيل قُبَيل حصادها في الدرجة الثانية.

لكن ذلك لم يتحقّق إثر تنفيذ قانون قيصر وانكشاف إفلاس البنك المركزي السوري، لذلك توقّفت روسيا عن إمداد السوق السورية بالقمح الروسي إلى ما بعد تسديد الديون المستحقَّة وإلا سيجري سداد هذه الديون من الأصول السورية على شكل أراض ومنشآت قائمة ومرافق سياحية كالمرافئ والمطارات.

بين سعر القمح وثمن الرصاصة

سعر القمح لا يمثّل رقماً كبيراً أمام ما يصرفه النظام لاحتواء الأزمة المستفحلة في دمشق، فالنظام لا يَعُول عملياً إلا أقلّ من أربعة ملايين نسمة يمثّل ثَمَنُ متطلّباتهم من القمح أقلّ من 300 مليون دولار، يستطيع النظام أن يجبيها من “أثمان” جوازات سفر المهاجرين واللاجئين، أو من رسم الدخول الجديد، بل تكفي تحويلات الأبناء لإنقاذ آبائهم من الجوع. ولكن النظام لم يفعل، فهو لم يشترِ القمح عبر أذرعه المالية(رجال أعمال النظام غير المشمولين بالعقوبات) من عوائد الجباية، ولا الروس أظهروا نذراً من المسؤولية فأمدّوا السوق بحاجتها من القمح قرضاً مؤجّلاً حتى.

ما يجري اليوم ليس مفاجئاً للنظام بل هو عمل مقصود ضمن سياسة التجويع؛ لأنّ النظام يريد من السوري أن يفكّر ليلَ نهار برغيف الخبز، كي لا يفكّر بالقضايا الوطنية والسياسية والقضايا الكبرى.

بالمقابل فإن النظام مُقبل على منعطفات سياسية كبرى، وعملياً هو باع وأجّر المؤسّسات الإستراتيجية كميناء طرطوس ومناجم الفوسفات في تدمر التي تستثمرها روسيا، كلّ ذلك مقابل استمراره بالسلطة، ومثل هذا النظام  طيلة عشر سنوات من التهجير والقتل ليس مسؤولاً لا عن مواطن ولا عن وطن، وإلا فهو قادر وبدون دعم روسي أو إيراني على الحدّ من الأزمة الاقتصادية لو دفع من أرصدته كعائلة أسدية لكنّه يقوم بطريقة ممنهجة بتجويع المواطن وسلب كرامته.

ولعلّ في حسابات النظام أنّ الجياع لا يثورون، فالمجاعات الأفريقية لم ينتج عنها ثورات بل حاول الجائعون الحصول على لقمة العيش بأيّ وسيلة كانت وكذلك سيفعل السوريون!

إجراءاتٌ سطحيّةٌ هَزْلية

لم تتّخذ حكومة النظام أيّ إجراء حقيقي وحاسم لمعالجة مشكلات الخبز، بل إنّ معظم إجراءاتها اتّسمت بالسّطحيّة، وعدم الجدّيّة، ومن هذه الإجراءات قرار اتّخذته مطلع 2018م بخفض قطر رغيف الخبز من 35 سم إلى 25 سم، مع المحافظة على وزن الرّبطة وزيادة عدد أرغفتها إلى 11، بهدف الحدّ من الهدر!
وألزمت وزارة التّجارة الدّاخليّة المخابز في(تشرين الثاني/نوفمبر 2018م) بتركيب عدّاداتٍ لإحصاء عدد الأرغفة المنتَجة، ومقارنتها مع كمّيات الدّقيق التّموينيّ المستلم. كما طلبت الحكومة أخيراً من كلّ الأفران إرجاع أكياس الطّحين المرقّمة لشركة المطاحن، لمحاربة تهريب الطّحين وبيعه في السّوق بأسعارٍ مرتفعةٍ. هذه الإجراءات لم تساهم في معالجة المشكلة، ثمّ إنّها ليست بحلولٍ ناجعةٍ، فضلاً عن كلفة تطبيقها. وعلى سبيل المثال تبلغ كلفة تركيب الجهاز الإلكتروني في كلّ مخبزٍ أو منفذ بيعٍ لقراءة البطاقة الذّكيّة نحو نصف مليون ليرةٍ!

أزمة مستعصية.. خبز السّوريين فسادٌ وتجويعٌ على البطاقة الذّكيّة 

غيّرت حكومة النّظام قواعد حصول السّوريّ على الخبز، واتّجهت نحو التّحكّم بكمّية الخبز المفترض أن يأكلها، في أقسى “ريجيمٍ” غذائيٍّ يتعرّض له السّوريون. وبدأ بيع الخبز منذ منتصف نيسان/أبريل من العام الفائت على البطاقة الذّكيّة الّتي حصلت عليها 3.3 ملايين أسرةٍ تعيش في مناطق سيطرة النّظام.

ولكن للبطاقة الذكيّة قصّة أخرى!
فقد كشف الإعلام عن اسم صاحب شركة “تكامل” المنفّذ لمشروع البطاقة الذكية، والفوائد التي يحصل عليها صاحب الحظوة الذي مُنح مشروعاً يبيض ذهباً.

وبحسب تلك المواقع فإنّ صاحب شركة “تكامل” المنفّذة لمشروع البطاقة الذكية هو “مهند الدباغ” ابن خالة أسماء، زوجة بشار، وخاله ناجي عطري رئيس الوزراء الأسبق، ويشغل رئيس مجلس الإدارة في تكامل.

وفي تقرير لموقع “اقتصاد” فإنّ الدباغ يملك حصة 30 بالمائة منها، بينما باقي الأسماء جرى التكتّم عليها. [4]

وبيّنت مصادر مطلعة أنّ الحصّة الأكبر بالشركة مسجّلة باسم شقيق أسماء، وقد جرى التكتّم على اسمه، ومنع تداوله على وسائل الإعلام.

وأكّدت المصادر المطلعة أنّ هذه المعطيات تعني أنّ الشركة تعود بملكيتها بالكامل إلى بشار الأسد ذاته.

وكشفت المصادر أنّ العقد المُبرَم بين حكومة النظام والشركة عام 2016م، تحصل عن طريقه الشركة على مبلغ 400 ليرة سورية مقابل البطاقة الواحدة.

وعلى وفق المصادر بلغ عدد البطاقات التي منحتها الشركة حتى الآن وعلى وفق بيانات رسمية نحو 3 ملايين بطاقة.

وأردفت المصادر أنّ الشركة تحصل على 100ليرة سورية لكلّ مرّة تُستخدَم فيها البطاقة الذكية في تعبئة مخصّصات الأسرة من المازوت والغاز المنزلي.

ثمّ إنّ زيادة أيّ مادّة على البطاقة الذكيّة تحصل الشركة على نسبة معيّنة لا تقلّ عن 100 ليرة كلّ مرّة استخدام للموادّ التموينية، كالرز والشاي والسكّر والزيت.

وذكرت المصادر أنّ الشركة تحصل على 5 ليرات عن كلّ ربطة خبز يحصل عليها المواطن.

ويرجع المصدر هذه الحصص التي تأخذها من البطاقة على وفق تبرير الشركة بأنّها تدفع قسماً كبيراً منها لشركة الخليوي مقابل الرسائل التي ترسلها للمستفيدين.

ورأت المصادر أنّ الاستفادة الكبرى من البطاقة هي أنّ النظام استحوذ على بيانات ملايين السوريين، كالإقامة وأوضاع كلّ أسرة ونطاق تحركّها وهواتفها، وهي معلومات مخابراتية قيّمة.

واعتمدت حكومة الأسد نظام “البطاقة الذكية” الذي تنفّذه شركة “تكامل” منذ(آب/أغسطس 2018م)، لتوزيع المخصّصات من مادّة البنزين كأولى الموادّ التي أُلحقت بالبطاقة.

وأَتبعت الحكومة مادّتَي المازوت والغاز بالبطاقة قبل أن تزيد عدداً كبيراً من الموادّ الأساسية وصولاً إلى مادّة الخبز التي جرّبتها قبل أيام.

 

عبد الرحمن مصطفى: النظام عاجز عن حلّ أزمتَي الخبز والوَقود

في تصريح للأناضول قال رئيس الحكومة السورية المؤقّتة عبد الرحمن مصطفى: إنّ نظام الأسد عاجز عن إيجاد حلّ لأزمتَي الخبز والوَقود في المناطق التي يسيطر عليها، وأنّ الحرب التي يشنّها نظام الأسد ضدّ شعبه أدّت إلى انتكاس الاقتصاد، وخلق مصاعب للشعب.

وأشار إلى أنّ أجزاءً كبيرة من آبار النفط خارجة عن سيطرة النظام، فيما لا تكفي كمّيات الإنتاج التي يقوم بها، لسدّ حاجة المناطق التي يسيطر عليها.

وأوضح أنّ النظام يبرّر فشله في تأمين احتياجات الشعب بقانون “قيصر لحماية المدنيين السوريين” الذي أصدرته الولايات المتّحدة ويقضي بفرض عقوبات على النظام السوري وكلّ من يدعمه مالياً أو عينياًّ أو تكنولوجيّاً.

وقال مصطفى إنّ الوضع الاقتصادي المتردّي وفشل النظام في تأمين احتياجات الشعب، كان قائماً أيضاً قبل إصدار القانون المذكور.

وأعرب مصطفى عن شعوره بالقلق والحُرقة إزاء ما يعانيه سكّان مناطق النظام من صعوبات في الحصول على الوَقود والخبز، داعياً لإنهاء هذه الأزمة.

 

[1] الخبز الحافي، رواية للروائي المغربي محمد شكري

[2] https://www.alaraby.co.uk/%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%AE%D8%A8%D8%B2-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D9%85%D9%87%D8%AF-%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%D8%9F?amp

[3] https://www.aljazeera.net/news/politics/2020/7/9/%D9%86%D9%82%D8%B5-%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A8%D8%B2-%D9%8A%D9%84%D9%88%D8%AD-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D9%88%D8%B7%D8%A3%D8%A9

[4] https://www.eqtsad.net/news/article/29665/

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق