الوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

كيف تكون تزكية المجتمع؟

يتحدّث المقال عن أهمّ الجوانب التي يكون فيها تزكية المجتمع وتماسكه، وهي التي فيها نجاة المجتمع وحمايته من عوامل التفرقة والانقسام والضعف.

مناصحة – متابعة

كان من دعاء سيدنا إبراهيم الخليل -عليه السلام- لهذه الأمّة أن يكرمها برسول يعلّمها ويزكّيها، فقال سبحانه ذاكراً ذاك الدعاء العظيم: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].
وقد استجاب الله -عزَّ وجلَّ- لدعوته أحسن استجابة فبعث لنا حبيبنا ونبيّنا محمّداً ﷺ، ولكنّه -سبحـانه- قدَّم التزكيــــة على العلم، كما جاء في كتابــه الكريــم، قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151].
ثمَّ قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]
وقال عزَّ وجلَّ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2].
تزكية النفس:
قدّم سبحانه التزكية قبل العلم؛ لأنّ التزكية تُطهِّر القلب حتى يكون مؤهّلاً لتقبُّل العلم والعمل به، وحينها لن يحول بينه وبين الهداية قواطع وموانع، وتُحرّر النفس من الآفات وتجعله ينتفع بما يتعلّم.
وكان السلف الصالح يولون أمر تزكية النفس وتطهير القلب اهتماماً بالغاً، ويقدّمونها على سائر الأمور.
فهذا عبد الرحمن بن القاسم المصري -رحمه الله- كان يقول “خدمت الإمام مالك عشرين سنة، كان منها ثماني عشرة سنة في تعليم الأدب، وأخذت منه العلم في سنتَين”.
وقد كان الإمام مالك -رحمه الله- يقول: “ليس العلم بكثرة الرواية، وإنّما العلم ما نفع، وعمل به صاحبه”.
وكان الإمام الشافعي -رحمه الله- يقول: “قال لي الإمام مالك: يا محمّد، اجعل عملك دقيقاً، وعلمك مِلْحاً”. فانظر -رحمك الله- ماذا يصلح الدقيق من الملح، إنّها قطرات من الملح على أكوام من الدقيق، فـاعمل.

ومن لم يتزكَّ فسيقع في شِراك نفسه التي تجعله يعيش في الخداع والوهم، ويحسب نفسه من الصالحين وهو أبعد ما يكون عنهم لذا يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ودسَّاها: أي خبّأ نفسه وسط الصالحين.
وكما للتزكية أثرها في النفس ورقيّها وسموّها، فإنّ الشارع الحكيم عمّ التزكية ولم يَخصّها بالنفس، بل حتى المجتمع له نصيبه من التزكية، كي يكون مجتمعاً سامياً، متآلفاً، لا ضجيج فيه ولا فتن.
من جوانب تزكية المجتمع:
أ‌- تآلف المجتمع وتعاضد أبنائه: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمّى». وفي الحديث الحثّ على التراحم والتعاضد وأنّ من مقتضيات الإيمان العملَ بما تستلزمه الأخوَّة بين المؤمنين من التراحم والتوادد والتعاطف، وأنّ التقصير في ذلك و التهاون فيه ضعف في الإيمان، وأنّ على المؤمن أن يجتهد في تطهير قلبه نحو إخوانه فيفرح بوصول الخير إليهم، ويتألّم إن أصابهم ما يضرّهم أو يؤلمهم، ويقف معهم في مصائبهم وما ينزل بهم، فيغيث المحتاج، وينصر المظلوم، ويعين ذا الحاجة، ويتعاون معهم على الخير والبرّ. وهذا من علامات عظمة الدين وكماله، بحثّه على التآلف والتراحم، فيعيش المسلم بين إخوانه وفي كنفهم معزّزاً مكرّماً في عسره ويسره، وقوّته وضعفه، وفي سائر أحواله.
ب‌- النهي عمّا يشوب صفاء المجتمع ويهدّد أمنه الاجتماعي: في آية واحدة نهى الله -سبحانه وتعالى- عن ثلاثة أمور تجرّ الواحدة الأخرى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}.
النهي الأوّل: سوء الظنّ بالناس: وقد ثبت في الصحيحَين عن أبي هريرة أنّ النبيّ -ﷺ- قال: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً». قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال علماؤنا: فالظنّ هنا وفي الآية هو التهمة، ومحلّ التحذير والنهي إنّما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتّهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى: (ولا تجسّسوا) وذلك أنّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداءً ويريد أن يتجسّس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصّر ويستمع لتحقيق ما وقع له من تلك التهم ﷺ، فنهى النبي -ﷺ- عن ذلك.
والنهي الثاني: يتبع سوء الظن، وهو التجسس وتتبع العورات: فبعد أن يظنّ المرء بشخص آخر ظنّاً سيّئاً يبدأ بمراقبته والتجسّس عليه، وكلّ ابن آدم خطّاء، وفي كلّ واحد منهم هفوات وأخطاء -إلا من عصمه الله- وللناس عورات وأسرار، وبمراقبة أيّ واحد منهم وتتبّع عورته لا بدّ أن تكشف له عيباً أو خلقاً ذميماً أو معصيةً غير مجاهر بها، ولذا سدّ الشرع هذا الباب فقال ﷺ: «يا معشرَ من آمَنَ بلسانهِ ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبهُ لا تغتابوا المسلمينَ ولا تتَّبِعُوا عورَاتِهِم، فإنَّهُ منِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ في بَيْتِهِ». وأمر الشارع بالستر سدّاً لتلك المفاسد التي تنشأ عن فضح الناس المستورين.
والنهي الثالث: الغيبة: وهي الخطوة الثالثة من خطوات من الشيطان في فساد ذات البَين، فهي حلقة تبدأ بسوء الظنّ ولا تنتهي بالغيبة، وقد عرّف النبيّ -ﷺ- الغيبة فقال: «ذكرك أخاك بما يكره» فقيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».
ت‌- النهي عن الشائعات وفي الأخصّ ما تعلّق بالأعراض: ولا أدلّ على ذلك من ترتيب العقوبة الرادعة في الدنيا لمن يتطاول بلسانه في أعراض الناس، وقد نزلت سورة النور وفيها آياتٌ بيّناتٌ بعد حادثة الإفك وخوض من خاض فيها، وجاء فيها من الأحكام حكم القذف، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. فأوجب على القاذف إذا لم يُقم بيّنة على صحّة ما قاله ثلاثة أحكام:
أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة.
الثاني: أنّه تُردّ شهادته.
الثالث: أن يكون فاسقا ليس بعدل، لا عند الله ولا عند الناس.
ث‌- المحافظة على روح الجماعة: تلك الفرائض التي تُؤدّى يومياً في المساجد، وأسبوعياً على نطاق أوسع، هي أشبه بالاجتماعات اليومية والأسبوعية يتفقّد فيها الجيران بعضهم، ويسألون عن غائبهم، ويتعارفون فيما بينهم أكثر وأكثر، ولذا كان أول شيء قام به النبي ﷺ حين هجرته وقدومه إلى المدينة أن بدء بعمارة المسجد.
ج‌- نبذ الاختلاف والتفرّق: وقد أمر سبحانه بتوحيد القوة ورصّ الصفوف، ولا تخفى تلك الآيات الكثيرة الآمرة بالاجتماع والناهية عن الاختلاف كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
ح‌- إنكار العصبية الجاهلية وما يشبهها من الولاءات الضيّقة: مع أنّ اسم المهاجرين واسم الأنصار، من الأسماء الشريفة التي لها وَقْع ديني خاصّ في نفوس المسلمين جميعاً بدءاً من عصر الصحابة، فإنّه لمّا نادى رجل: يا لَلمهاجرين، ونادى الآخر: يا لَلأنصار، سمّى النبيّ -ﷺ- مناداتهما بدعوى الجاهلية، وأنكر عليهما، فكيف بمن يتعصّب للعشيرة أو للحزب أو للمنطقة ونحو ذلك من العصبيات الضيّقة التي تفتّت المجتمع؟! فالولاء لله فيما يرضي الله، والبراءة ممّا يسخطه الله، هذا جوهر تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى.
هذه بعض الجوانب التي دعانا إليها الشارع الحكيم حتى يكون المجتمع سوِيّاً، قادراً على البناء والعطاء، منشغلاً بما يعود بالنفع على الناس، وتلك النفوس الزكيّة هي التي تملأ الأرض عمارةً وعبادةً، وهي التي تستحقّ أن تنهض بمهام الاستخلاف في الأرض، وهي التي لا تغشّ ولا تخدع ولا تجعل الدين مطيّة لدنياها، وهي التي تنشر العدل بين الناس وتأبى الظلم والضيم، تلك النفوس هي المستحِقّة لنصر الله عزّ وجلّ كما وعد وأخبر: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق