الغلو و التكفيرمقالات الغلو

التشدّد يحسنه كلّ أحد

لا يحتاج التشدّد إلى مزيد فِقه أو عُمق معرفة وتفكير، إنّما عدّته ومادّته جهلٌ مركّب، وخلق أرعن، ولسان سليط، وميزان مختلّ، وجرأة على الدماء والأموال والأعراض. إنّ التشدد يُحسنه كُلّ أحد بواسطة المُبالغة والتزيُّد باسم الحذر والحيطة والورع، وما أيسر المبادرة إلى الرفض والتحريم أخذاً بالشُبهات واحتجاجاً بسدّ الذرائع، وادّعاءً لتحقيق المصالح. مقال يتحدّث عن التشدّد والتيسير والتمييز بينهما.

مناصحة – متابعة 

تعريف التشدّد لغةً واصطلاحاً:

• والتشدّد لغة: يقال : شَدَّدَ في الأمر: غَالَبَهُ وبالغ فيه، الشِّدَّةُ: الصَّلابةُ، وَهِيَ نَقِيضُ اللِّين، وَالتَّشْدِيدُ: خِلَافُ التَّخْفِيفِ، شدَّدَ على قومه: قسا عليهم، ضيّق عليهم(1).
• التشدّد اصطلاحاً: هو المبالغة في تنفيذ الأمر بما يشقّ على النفس، ويكون سبباً في نفورها ومللها.
• التيسير هو: الأخذ بالرخصة عند الحاجة إليها، وتنفيذ الأوامر الشرعية بأسهل الطرق المشروعة، وليس معناه التفريط أو التساهل في أداء التكاليف الشرعية.

• التشدّد المذموم المنهيّ عنه هو: الإفراط المؤدّي إلى المَلال، أو المبالغة في التطوّع الُمفْضي إلى ترك الأفضل. يقول الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى: “وَلَيْسَ الْمُرَاد مَنع طَلَب الْأَكْمَل فِي الْعِبَادَة فَإِنَّهُ مِن الْأُمُور الْمَحْمُودَة، بَلْ مَنع الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَال، أَوْ الْمُبَالَغَة فِي التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل”(2).
وليس معناه ترك الأخذ بالرخصة عند الحاجة إليها ولا اتباع الأيسر عملاً بالقاعدة “المشقّة تجلب التيسير”، و”إذا ضاق الأمر اتّسع”(3).
وليس المقصود -بداهة- الأخذ بالأحوط على وفق الدليل الشرعي السائغ.
فلا ينبغي أن يخلط الناس بين التفريط والتسيّب وبين التيسير، ولا بين التمسّك بالشرع والوقوف عند حدوده وبين التشدّد، فبعض الناس يظنّ التزام المرأة بالحجاب تشدّداً، والتزام الرجل باللحية تشدّداً، وليس الأمر كذلك، وإنّما التشدّد كما عرّفه العلماء هو: المبالغة في تنفيذ الأمر بما يشقّ على النفس، ويكون سبباً في نفورها ومللها.

حكم التشدّد في الدين:
وأمّا التشدّد والغلوّ فليس من أمر الدين، بل هو أمر مذموم شرعاً وعقلاً.
جاء في الحديث: «إيّاكم والغُلُوَّ في الدِّين”، أي التَّشَدُّدَ فيه(4).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ». رواه البخاري
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: معنى الحديث: النهي عن التشديد في الدين.
المعنى: إنّ دين الله الذي أمر به عباده واختار لهم مبني على اليسر والسهولة، كما قال تعالى: ﴿وما جعلَ عليكم في الدين من حرجٍ﴾ [الحج: 78]، وإنّ من شدّد على نفسه وتعمّق في أمر الدين بما لم يوجَب عليه -كما هو دأب الرهابنة وأرباب الصوامع- فلربّما يغلبه ما يحمله من الكلفة، فيضعف عن القيام نحو ما كلّف به، وهو معنى قوله: «إلا غلبه»، فإنّه تَقالّ أمر الدين، وقصد أن يغلب عليه بالزيادة والتشدّد في أفعاله، فعاد مغلوباّ بما فرّط في التكاليف.
و«سدّدوا» أي: الزموا الطريق المستقيم، من السدادة، وهو الاستقامة
و«وقاربوا» أي: اقتصدوا وتوسّطوا، فلا تفتروا ولا تشدّدوا (5).

من أسباب التشدّد:

1- الجهل.
2- اتباع الهوى.
3- الحفظ دون فهم.
4- الفهم الخاطئ.
5- عدم معرفة أدب الخلاف.
6- الاستعداد النفسي السابق للتعصّب المُفضي إلى التشدّد.
7- التديّن نتيجة ردّات الأفعال ينقلب إلى تشدّد.
فالعلم عاصم من الحكم بالجهل، والورع عاصم من اتباع بالهوى، وملازمة العلماء عاصمة من الحفظ والفهم الخاطئ، والاعتدال عاصم من الغلوّ والتفريط.

التشدّد يحسنه كلّ أحد:

لا يحتاج التشدد إلى مزيد فِقه أو عُمق معرفة وتفكير، إنّما عدته ومادّته جهلٌ مركّب، وخلق أرعن، ولسان سليط، وميزان مختلّ، و جرأة على الدماء والأموال والأعراض.
نعم، إنّ التشدّد يُحسنه كُلّ أحد بواسطة المُبالغة والتزيُّد باسم الحذر والحيطة والورع، وما أيسر المبادرة إلى الرفض والتحريم أخذاً بالشُبهات واحتجاجاً بسدّ الذرائع، وادّعاءً لتحقيق المصالح.
وإنّما يزداد المرء اعتدالاً ووسطية كلّما ازداد علماً وفقهاً للواقع، وكلّما زاد اطلاعه على اختلاف العلماء في مسائل العلم، وسبر أدلّتهم وتفحّصها مع محاسبة النفس والعقل عند كلّ منعطف، ممّا يكسبه مَلَكة في الفهم والاتّزان الفكري، ويبعده عن العواطف والحماسة المذمومة والتشدّد المقيت.

التشدد يشتت شمل الأمّة:

وفي القرآن الكريم يذكر الله تعالى في قصّة سيدنا موسى -عليه السلام- أنّ أخاه هارون سكت على عبادة قومه للعجل الذي صنعه لهم السامري وفتنهم به حتى يعود موسى ويفصل في الأمر، وفي هذا يذكر القرآن حوار الاثنَين كما يلي: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. [طه: 94 – 92]، ولم يعترض موسى عليه السلام على احتجاج أخيه بهذا العذر، ممّا يدُلّ على إقراره وموافقته، وليس شيئاً أعظم من السكوت على عبادة عجل ذَهَب من دون الله “حفظاً على وحدة القوم”، ولكنّه سكوت موقوت لاعتبار مقبول، وذلك من الحكمة وبُعد النظر ومثل هذا العُمق في التقدير والنظر لا يتوافر لكلّ أحد.

وقد قرّر علماء الأمة أنّ الأصل في الفتوى التيسير وإخراج المستفتي من الحرج، وليس التشديد والتضييق.
يقول الإمام سفيان الثوري رحمه الله: “العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأمّا التشدّد فيحسنه كلّ أحد”(6).
وهذا الأثر فيه إنكار على الذين يفتون الناس بالورع، وكلمة العلماء مُطْبقة على ذلك، وإنّما الواجب على المفتي أن يبيّن الحكم الشرعي في المسألة كما هو.

فالعالِم الحقّ هو من يعرف الأحكام بحدودها وضوابطها، ويدرك الفروق بين ما يحلّ وما يحرم، فلا يحرّم الكلّ تورّعاً؛ فيوقع السائل في الحرج والمشقّة، وربّما لا يتمكّن السائل من الالتزام بهذا الورع فيقع في الحرام، وكذلك لا يبيح الكلّ تساهلاً؛ فيوقع السائل في المحرّم والفتنة، وإنّما يدلّه على ما يجوز له من غير تساهلٍ وتفريط، أو إفراطٍ وتغليظ، وهذا معنى قوله “من ثقة”، إذ كما التشديد يحسنه كلّ أحد فالتساهل أيضاً يحسنه كلّ أحد.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: “وأمّا من صحَّ قصدُه، فاحتَسَبَ في طلب حيلةٍ لا شُبهةَ فيها لتخليصٍ من ورطة يمينٍ ونحوها، فذلك حسن جميل، وعليه يُحمَل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا، كقول سفيان: إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأمّا التشديد فيُحسنه كلّ أحد” (7).

ويقول الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى: “لا يجوز للمفتي تتبع الحيلة المحرّمة والمكروهة، ولا تتبّع الرُّخص لمن أراد نفعه، فإن تتبّع ذلك فَسق، وحَرُم استفتاؤه، فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك بل استُحبّ، وقد أرشد الله -تعالى- نبيَّه أيوب -عليه السلام- إلى التخلّص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثاً فيضرب به المرأة ضربة واحدة، وأرشد النبيُّ -صلّى الله عليه وسلّم- بلالاً إلى بيع التمر بدراهم ثمّ يشتري بالدراهم تمراً آخر فيتخلّص من الربا، فأحسنُ المخارج ما خلص من المآثم، وأقبحُ الحيل ما أوقع في المحارم، أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم من الحقّ اللازم”(8).

ويقول العلامة أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: “إذا جاء السائل عن مسألة فوجدتم له مَخلَصاً فيها فلا تسألوه عن شيء، وإن لم تجدوا له مخلصاّ فحينئذ اسألوه عن تصرّف أحواله وأقواله ونيّته، عسى أن يكون له مَخلص”(9).

ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: “المفتي البالغ ذروةَ الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدّة، ولا يميل إلى طرف الانحلال، والدليل على صحّة هذا أنَّه الصراط المستقيم، الذي جاءت به الشريعة، فإنّه قد مرّ أنّ مقصد الشارع من المكلّف الحملُ على التوسّط من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين”(10).

قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله: “التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحبّ، بمنزلة الواجب والمستحبّ في العبادات، وتارةً باتخاذ ما ليس بمُحرَّم، ولا مكروه، بمنزلة المحرم والمكروه في الطيّبات، وعُلِّل ذلك بأنّ الذين شدّدوا على أنفسهم من النصارى شَدَّد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدَعة، وفي هذا تنبيه على كراهة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لِمِثْل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدَعة، وإن كان كثير من عُبَّادِنا قد وقعوا في بعض ذلك، متأوّلين معذورين، أو غير متأوّلين ولا معذورين”(11).
وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى: “نهى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن التشديد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أنّ تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه، إما بالقدر، و إمَّا بالشَرْع، فالتشديد بالشرع كمن يشدّد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس، فإنّهم شدَّدوا على أنفسهم، فشُدِّدَ عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفةً لازمة لهم”(12).

دين الإسلام رخصة بعد عزيمة، ولين من غير شدّة، ويسرٌ من غير عسر، ورفعٌ للحرج عن الأمّة. والتيسير مقصد من مقاصد هذا الدين، وصفة عامّة للشريعة في أحكامها وعقائدها، وأخلاقها ومعاملاتها، وأصولها وفروعها؛ فربّنا بمنّه وكرمه لم يكلّف عباده بالمشاقّ، بل أنزل دينه على قصد الرفق والتيسير.

ولقد تضافرت نصوص العلماء على أنّه:

– “إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك”.
– وأنّه “إذا اجتمعت المفاسد المحضة، فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذّر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد”.
– وأنّ “الاحتياط في جلب المصالح ودرء المفاسد”.
– وأنّ “درء المفاسد مقدّمٌ على جلب المصالح”.
– وأنّ “بعض الحقوق تقدّم على بعض بحسب ما يترتّب عليها من مصالح ومفاسد”.
والشواهد على هذه النصوص كثيرة جدّاً، ومبسوطة في الكتب المعروفة.

التشدّد ليس مقصوراً على أمّة دون أخرى:

التشدّد مرض خطير له أنواع كثيرة تختلف من مجتمع إلى آخر، ولا يمكن قصره على ملّة دون أخرى، فحين يكون مجتمعنا متشدّداً في بعض أنماطه ونماذجه، فهذا لا يعني أنّ المجتمعات الأخرى بمعزل عنه بنوع آخر ربّما يكون أشدّ وأخطر يمثّل تهديداً على الأمن والاستقرار العالميَّين.
مثلاً: نجد الأحزاب اليمينية والعنصرية والمتطرّفة في أوروبا وأمريكا وغيرها تكسب الجولة بعد الجولة/ وتتّكئ على إثارة عواطف الناس ضدّ المهاجرين، أو ضدّ الإسلام ورموزه ومقدّساته، حيث تنتشر في أمريكا وأوروبا… كما تنتشر ظاهرة “الإسلاموفوبيا” بصورة فظيعة،تتاجر بها أحزاب اليمين المتطرّف لتصل إلى سدّة الحكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- انظر: لسان العرب(3/232)، الصحاح(2/ 493)، النهاية في غريب الحديث(2/ 451)، فتح الباري(1/94)
2- انظر: فتح الباري لابن حجر(ج 1/ص62).
3- انظر: فتاوى الشبكة الإسلامية معدّلة(ج 10/ص1051).
4- انظر: المجموع المغيث في غريبَي القرآن والحديث، محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى(ت: 581هـ). وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر. مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير(ت: 606هـ).
5- انظر: تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، المؤلّف: القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي(ت: 685هـ).
6- جامع بيان العلم(ص255)، وآداب الفتوى للنووي رحمه الله(ص37).
7- انظر: آداب الفتوى للنووي(ص37).
8- انظر: إعلام الموقعين(4/222).
9- انظر: أحكام القرآن(4/163).
10- انظر: الموافقات(4 / 285).
11- انظر: اقتضاء الصراط(1/103).
12- انظر: إغاثة اللهفان(1/132).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق