الإلحادالتشيع السياسيالغلو و التكفيرالوحدة الوطنيةمقالاتمقالات الإلحادمقالات التشيعمقالات الغلومقالات الوحدة الوطنية

ثورة لكل السوريين في مواجهة معاول الهدم

بقلم: الأستاذ أحمد الهلالي

مناصحة – متابعة 

سوريا البعث باختصار وحتى قيام ثورة 2011:

سيطر حزب البعث على الحكم في سوريا بانقلاب عسكري في آذار 1963م، كان حافظ الأسد واحداً من جماعة الانقلابيين في الظاهر، ولكنه كان محرك الانقلاب في الحقيقة، وخلال سنوات قليلة استطاع أن يتخلّص من رفاقه واحداً تلو الآخر، ثم انقلب على رفيق دربه صلاح جديد أواخر عام 1970م، وبعدها بشهور أعلن نفسه حاكماً ورئيساً للبلاد، في آذار عام 1971م.
ثلاثون سنة من أعجف سنوات سوريا في تاريخها كله أمضتها تحت حكم حافظ الأسد، وحينما مات بعد ذلك في منتصف عام 2000م ورث ابنه بشار الحكمَ، فسوريا جمهورية لا كالجمهوريات، وملكية لا كالمملكات، ولما كان بشار دون السنّ القانونية التي ينصّ عليها الدستور (أربعون عاماً) فقد كان الحل بكل بساطة تغيير الدستور في يوم وليلة وتفصيله ليناسب مقاس عمرِ بشار، الأمر الذي لم يأخذ من “مجلس الشعب” سوى خمس دقائق بالعد.

ثورة على إلحاد البعث:

منذ انقلاب البعث المشؤوم عام 1963م خضعت سوريا لقانون الطوارئ حوالي خمسين عاماً عاشها الشعب السوري مسلوب الحرية، مهدور الكرامة، حوله أصنام وصور “للرئيس” أينما التفت تجد صنماً أو صورةً للزعيم الذي رفعوه إلى مرتبة قريبة من الآلهة فجعلوه قائد الأبد، ورسّخوا آلة الإعلام وجهاز التعليم كله ليزرعوا في عقول الناس: الأسد للأبد!
في حكم البعث من شاء أن يسب الربّ -تبارك الله في عليائه- فلا حسيب ولا رقيب، لكن إياك أن تذكر إله حزب البعث بسوء. كل ذلك قبل أن تكشف الثورة لمن لم يكن يبصر إلحاد هؤلاء المجرمين وحربهم لله ولرسوله وللمؤمنين، فإذا بهم يسجدون لصور “الرئيس” ويرغمون الأسرى على السجود، بل إنّهم ليعذبونهم ويستنطقونهم حتى ينطق المعذَّبون بالكفر البواح: “لا إله إلا بشار”. تعالى الله عمّا يفترون، ولعنة الله على بشار، وعلى عَبَدة بشار، وزبانية بشار أجمعين.

في سوريا يحق لعناصر “الأمن” أن يقتحموا بيتك في أي وقت من ليل أو نهار، ويجرّوك أو يجرّوا ولدك أو زوجتك إلى حيث يريدون، لا يحق لك أن تعترض ولا يحق لأحد من أهل بيتك أن يسأل، ولن يعرف المعتقَل لمَ اعتقل، وربما يقتل في أثناء التحقيق أو بعده، بينما تمضي السنوات وأهله لا يعرفون أين مكانه ولا مصيره، كل أمنيتهم أن يسمعوا عنه خبراً، أيّ خبر… ولو مجرد كونه من الأحياء أم الأموات!
إن الحر يصبر على الضيم زماناً، ولكنه لا يصبر صبر الأبد، ولقد صبر هذا الشعب الأبيّ الكريم حتى جَفّ بحر الصبر، والبارود إذا مسّته النار كان الانفجار. لقد كانت هِمَم رجال درعا وقلوبهم هي البارود، وكانت كلمات ذلك المسؤول الفاجر هي النار، فثَمّ كان الانفجار.

ثورةٌ ضد التبشير بالتشيع السياسي:

بعد الانسحاب السوري من لبنان إثر مقتل رفيق الحريري (14 شباط 2005) بدأ الحزب وراثة دور النظام في لبنان، وتصدر المشهد الشيعي اللبناني بتشجيع إيراني، ثم منحته حرب 2006 شعبيةً جماهيرية عربية وسورية كبيرة.

حرب 2006 قوّت شوكة حزب الله، ولم يعد مجرد قوة لبنانية محلية، فأصدر وثيقة سياسية جديدة عام 2009، جعلته ضمن ما يسمى محور المقاومة ومرتبطاً بولاية الفقيه حصراً مذهبياً وسياسياً.

تأثرت القاعدة الشعبية بـ(البروباغندا) الهائلة للنظام والحزب وبخطابات النصر والتحرير والجهاد في مواجهة أمريكا وإسرائيل، وكانت صور “حسن نصر الله” تزاحم صور بشار في سوريا، وأعلام الحزب تملأ الساحات، وحتى قناة “المنار” أصبحت القناة المفضلة لشريحة واسعة من السوريين.

وفي ارتباط الحزب بالمقاومة الفلسطينية والتصدي لإسرائيل، غابت على الصعيد الإعلامي وكذلك في الوعي الشعبي المقاربات الطائفية لحقيقة دوره.

 

حتى انطلقت شرارة الثورة في سوريا، وتحوّل الحزب بدخوله بشكل رسمي في الحرب عام 2013 إلى جانب النظام إلى منظمة عسكرية إقليمية طائفية تقاتل إلى جانب عدة تنظيمات طائفية أخرى تدين بالولاء لولاية الفقيه، ففضحت الثورة الهُوية الحقيقية لحزب الله ودوره؛ والحجج الواهية التي تذرع بها للتدخل في سوريا -خاصة مسألة حماية المراقد الشيعية– ثم معركة القصير في حزيران 2013 والتي تعدّ انعطافة خطيرة في الحرب.

انخرط الحزب بشكل كامل مع جيش النظام في عمليات حصار القرى والبلدات والتنكيل بأهلها؛ في القصير ومضايا والزبداني وداريا وغيرها من البلدات، ووضع كل إمكاناته من أجل إفشال الثورة السورية، وضمان بقاء النظام والوجود الإيراني والشيعي.

الثورة السورية كشفت حقيقة هذا التنظيم الذي استبدل مقاومة الكيان الصهيوني بمقاومة الشعب السوري في ثورته الساعية إلى إسقاط نظام الطاغية بشار الأسد، حتى أن الحزب أصبح يسمى “حزب الشيطان”، وحسن نصر الله “حسن نصر اللات”.

وانتبهت الشعوب عامة والشعب في سوريا خاصةً إلى البعد الطائفي الذي كان كامنا في فهم طبيعة الحزب ودوره وأهدافه، فسقطت كل دعايات المقاومة والممانعة التي كان يتغنى بها النظام والحزب وإيران على مدار عشرات السنين، وانكسر واحدٌ من أكبر الأصنام في العالم العربي والإسلامي. خطب الأمين العام لما يسمى “حزب الله”، حسن نصر الله، فقال: “الأنظمة التي على شاكلة نظام حسني مبارك إذا ثارت عليها شعوبها فنحن معها، لكن عندما يكون هناك نظام ممانع ويحصل فيه مشاكل فالموضوع مختلف، سنقف معهم ونقول عالجوا أموركم بينكم”. بعد خطاب حسن نصر الله أحرق المتظاهرون في درعا صوره وهم يهتفون: “نحن أيضاً مضطهدون ومظلومون”. سقط نصر الله وسقط حزب الله، ويوشك أن تسقط إيران وراءهما بإذن الله؛ لقد احترق المشروع الكبير الذي أنفقت إيران في بنائه عشرات السنين، احترق وزال إلى الأبد.

ثورةٌ ضد الغلو والتطرف:

طبيعة الشعب السوري عموماً طبيعة لينة معتدلة لا تعرف التعنت بالمجمل، ولا تتقبل الأفكار المغالية التي يمكن أن تلقى حواضن لها في بلدان أخرى، والتاريخ يذكر لنا أن الشام لم تكون مأوى لأي حركة متطرفة، وحتى الأفكار الفلسفية المغالية والمذاهب المنحرفة لم تجد لها بيئة مناسبة للانتشار كما أوجدتها بيئة العراق للخوارج مثلا، أو بيئة إيران للحركات الرافضية المغالية، إلا أن سيطرة داعش على مناطق واسعة من سوريا وفرض ايدولوجيا التنظيم والمناداة بها في المساجد والمدارس والأسواق مع الفراغ العلمي والروحي والتربوي لشرائح واسعة نتيجة ظروف الحرب جعلت أفكارها تجد رواجاً، وتشربت كثير من القلوب تلك الشبهات السوداء، حتى بلغت داعش ذروة إجرامها وسطوتها في حربها على الفصائل الثورية وانشغالها بالفصائل عن النظام، حتى أطلقت شعار قتال المرتد أولى من الكافر، ويقصدون بالمرتدين الثوار، والكافر النظام، وتصدر أهل العلم للرد على شبهاتهم، وكشف زيغهم وضلالهم، فأصدر المجلس الإسلامي السوري فتوى بخارجيتهم عام 2014، وتتابع علماء الأمة في فضحهم وبيان إجرامهم، فاجتمع الثوار على رد عاديتها وإعادة الثورة إلى نصابها، وتداخلت المشاريع الإقليمية والدولية لتؤول الأمور إلى ما هي عليه اليوم.

صحيح أن سيطرة داعش الفيزيائية قد ولت وإلى غير رجعة بإذن الله، لكن ما خلفته من تشويهات فكرية وشبهات مغالية ما زالت الساحة السورية تعاني منها، ما يوجب على النخب الثورية معالجة مخلفاتهم الضالة.

ثورةٌ لكل السوريين:

إنها ثورة الطهارة من رجس الديكتاتورية للعائلة الفرعونية التي لسان حالها {أنا ربكم الأعلى}، لقد تجرع ظلم الواقع ومرارته على مد العقود الماضية معظم شرائح المجتمع السوري، حتى الطائفة العلوية غير المنخرطة في التشبيح والأعمال الإجرامية كانت تعاني من فقر مدقع وشظف عيش في القرى المتناثرة على الجبال، مع واقع خدمي أسوء من قرى الدروز والإسماعيلية وغيرهم من طوائف الأقليات، وأما معاناة الكرد فقد كان التمييز العنصري مزدوجاً، تمييز قومي، وتمييز طائفي، وحين انطلقت الثورة انخرط في أيامها السلمية معظم الشرائح مع ما انتابتهم من مخاوف نتيجة تأثرهم بماكينة النظام الإعلامية والتي صورت المتظاهرين “المندسين، المخربين..” بصورة الطائفي الحاقد، ومع انطلاقة الثورة المسلحة انخرط كثير من أبناء الطوائف والأقليات في العمل المسلح، حيث تشكلت عدة كتائب كردية ضمن صفوف الجيش الحر، وكتائب من الطائفة الإسماعيلية في ريف حماة، وكتائب من أبناء الدروز… كانت بالفعل ثورة لكل السوريين، إلا أن أجواء الثورة وظروف الفوضى الطبيعية وتداخلات المشاريع، وانتهاز كثير من الأحزاب لفرص الفوضى أدى إلى ظهور أفكار انفصالية تبحث عن اقتطاع ممالك تستعمرها وتعدها حصتها من كعكعة الصراع!
المأمول أن تنجح الثورة السورية -كما فعلت القوى الوطنية السورية في مرحلة التحرر من الاحتلال- في إعادة الثقة والتوازن إلى المجتمع السوري، وتعيد الاعتبار للمبادئ السياسية والأخلاقية بوصفها ثورةَ حرية وكرامة،
وأن تحقق النصر ليس فقط على هيكلة النظام الاستبدادي، بل بضرب بنيته وسياساته وأساليبه الخبيثة كالتمييز العرقي والديني.
برنامج المرحلة الانتقالية يجب أن يمنع الفوضى والانتقام أو الاقتتال الطائفي، ويسعى إلى إقامة نظام قائم على مبدأ المواطنة ونشر العدل والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن العرق والجنس واللون والدين والمذهب، ليكون هذا كلّه مدخلا لترسيخ بذور اندماج وطني عميق. صحيح إنها مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة.

هذا هو الشعب السوري، وهذه هي ثورته المباركة، إنها الثورة الوحيدة في الأرض التي قامت على ألوهية الفرعون لتحطمها، وتحطم أغلاله،
إنها ثورة الإيمان ضد الإلحاد، وثورة الحق ضد الباطل، وثورة العدالة ضد الظلم، وثورة الحرية ضد العبودية، إنها ثورة الشعب للشعب.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق