الوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

الهُويّات الخَطِرة

بقلم: المهندس مطيع البطين

مناصحة – متابعة 

يعيش الناس خلال حياتهم منتمين إلى مجتمعات متعدّدة ومتنوعة لوناً وعِرقاً ولغةً وثقافةً وجغرافيةً، وقد ينتمون إلى مؤسّسات ونقابات وجمعيات يعملون من خلالها، وينظّمون شؤونهم في حياتهم العامّة، إلى غير ذلك مِن مجموعة الانتماءات الّتي تحدّد بمجموعها هويّة الفرد وصولا إلى تحديد هويّات المجتمعات الصّغيرة والكبيرة.
يتّضح من المقدّمة السّابقة أنّ الهوّية أو الهُويّات خصائص ذاتيّة للفرد أو للمجتمعات، لا تؤثّر في الآخرين تأثيراً سلبيّاً أو إيجابيّاً، ولا تحمل بحدّ ذاتها شكلاً مِن أشكال النّفع أو الضرر لهم، وهي بهذا الوصف مقصورة على العلاقة التّفاعليّة بين الفرد والمجتمعات أو المؤسسات التي ينتمي إليها.
إنّ الصّفات الّتي تميّزُ الأفراد أو المجتمعات عن بعضها محدّدةً ملامح كلّ مجتمع ليست تحمل بذاتها تهديداً أو خطراً على الآخرين، ولكنّ الّذي يُشكّل الخطر هو التّحوّل الّذي يطرأ على الهويّة أو يلتصق بها لتُصبح هذه الهُويّة تستهدفُ الآخر بألوان من السّلوك الاستعلائيّ أو العدائيّ الّذي يحوّل المجتمعات إلى مجتمعات متنافرة متصارعة بدلاً مِن أن تكون هذه المجتمعات متكاملة يُشكّل تنوّعها لوناً مِن ألوان الغنى لا لوناً مِن ألوان الخلاف المفضي إلى الصّراع والتّضاد، ولعلّ العرض لأنوّاع متعدّدة من هذه الانتماءات وما يعتريها من تحوّلات غير إيجابية يبين كيف يتحوّل ما هو حقٌّ ذاتيّ إلى ما هو تهديد للآخر، واعتداء عليه، وما هو شكل ومدى هذا التّهديد والاعتداء:

الأنا مثلا ً والتّعريف بالذّات والانتماء إليها أمرٌ لا ينفكّ عنه النّاس بطبعهم، وهي بهذا الشّكل شأنٌ خاصّ وحقٌّ مشروع، لكنّ التّحوّل الّذي يطرأ على الأنا فتتحوّل إلى أنا متضخّمة مستعلية على الآخر هو الذّي يجعل هذه هويّة خطرةً، هويّةً تحملُ صاحبها على تصغير الآخر وسلبه حقّه، والعدوان عليه بشتّى الألوان الّتي قد تصل إلى القتل عندما يرى صاحب الأنا المتضخّمة أنّ أناه هذه قدْ مُسّتْ، هذه الأنا التي كانت الفرعونيّة بعض أشكال تمثّلها في التّاريخ، وهي في واقعنا لا تزال قائمة بأشكال متعددة في أمثلة ترى في ذاتها الزّعيم المطلق والمفكّر الأوحد والقائد الّذي ليس له مثيل ولا بديل، إلى غير ذلك من التضخيم لهذه الأنا الذي يجعل كل إنسان حرّ يأنف من صاحب هذه النفس كما فعل ابن رشيق القيرواني مع ملوك الطوائف قائلا:
ممّا يزهّدني في أرض أندلس
أسماء معتصم فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد
والأصل الصحيح السليم أن يرى صاحب المواهب والمزايا الكبيرة نفسه واحداً من بني البشر له نظراء، وفيهم له أمثال يحتاجهم ويحتاجونه، وهو واحدٌ منهم، وليس أوحدهم لا يريهم إلا ما يرى.

القوميّة مثالٌ آخر:
تُعرفُ الشّعوب في منطقتنا مثلاً بالانتماء إلى إحدى القوميّات العربيّة أو الكرديّة أو التّركيّة أو الفارسية أو غيرها من القوميات، وهذا الانتماء له مكانة كبيرة في نفوس أبناء كلّ قوميّة مِن هذه القوميات، وهو حقّ مشروع لهم، لكن الخطر هو في تحوّل هذا الانتماء إلى ما يمكن تسميته باليمين المتطرّف الّذي يذهب بعيداً في الاستعلاء على الآخرين، ويحوّل الانتماء القوميّ إلى لونٍ من ألوان العنصريّة الّتي تشكّل خطراً على البشريّة كلّها، ولا شكّ أنّ أمثلةً كالنّازيّة والفاشيّة تعطي صورةً واضحةً عن مدى هذا الخطر على البشريّة.

الدّين مثالٌ ثالث:
وهو مِن أوضح الأمثلة على تحوّل الهويّة عندما يساء فهمها وتوظيفها من الانتماء إلى الدين كحقّ وفطرة وانتماء محمود رائع إلى طائفيّة حاقدة وعداء وكراهية للآخر، وصولاً إلى ما يمكن التعبير عنه بصراع الحضارات وتضادّها بدلا من حوارها وتكاملها، ولذلك فإن الشّعوب الّتي تجعل من الدين سبباً للصّراع في منطقتنا خصوصاً هي شعوبٌ أساءت فهم الدين والانتماء إليه، بل إنّ هذه الإساءة لا تقتصر على العلاقة فيما بين أبناء الأديان المتنوّعة، ولكنّها تنتقل إلى داخل أبناء الدّين الواحد فيما يُعرّف بالفِرق والجماعات، فعند المسلمين مثلاً هنالك جماعات كثيرة متعدّدة، والخطر الأكبر يأتي من الطرح الذي يقول في داخل بعض هذه الجماعات قائلا: “نحن جماعة المسلمين” أي نحن الحق وغيرنا الباطل، بدلا من أن يقول: “نحن جماعة من المسلمين”، فالطرح الأوّل طرح عدوانيّ ضيّقٌ وإقصائيّ، بخلاف الثّاني المعبّر عن الرّوح الواسعة القابلة للتّنوع والتّكامل والعيش المشترك الكريم، ولذلك فإنّ الهويّة الدّينيّة البنّاءة والرّائعة هي الّتي تحمل رسائل الخير والبرّ والعدل والرّحمة لكلّ بني البشر كما هي في أصلها وحقيقتها، بخلاف الهويّة الدّينيّة القائمة على رفض الآخر وظلمه والعدوان عليه، وهي الهويّة المشوَّهة التي تريد تحجير رحمة الله الواسعة، ويزداد خطر هذه الهويّة عندما يتمّ توظيف الدّين في صراعات لا علاقة للدين الحق بها، تماماً كما يصنع أصحاب مشروع الولي الفقيه في منطقتنا، فيمتطون المذهبيّة، ويغذّون في أتباعها روح الانتقام والثّأر والكراهية والمظلوميّة، هذا السّلوك الذي حوّل بلاد الحضارات في العراق والشام إلى ساحات حرب ودمار وكراهية وخراب.

إنّ قائمة ألوان الانتماءات تطول كثيراً وتتعدّد، وهي تحمل في طرحها الوجهين اللذين يحتاجان دوماً إلى بسط وتوضيح لجانبي البناء والهدم في كلّ انتماء من هذه الانتماءات، فالعشائريّة في مجتمعاتنا تكون بنّاءة عندما يكون جوهرها التّعارف والبرّ والصّلة والانتماء إلى الأقارب وغير ذلك من الأوجه المجتمعية المشرقة، وتتحوّل إلى وحش عندما تصبح تفاخراً واستعلاءً على أبناء العشائر الأُخرى يجعل الماء الصّفوَ حقّاً لأبناء العشيرة فقط، وأنّ غيرها نصيبه الكدر والطّين، وكذلك هو شأن الانتماء إلى المُدن أو ما يُعرف في مجتمعاتنا بالمناطقيّة فهي مزلق مفتّت، فحبّ الأوطان والبلدان فطرة جُبلت عليها نفوس البشر، ولكنْ أن تتحوّل إلى نزعة تفريق وتفاخرٍ واستعلاء فهذا هو الخطر الذي يجعل منها هويّة خطرة على الدولة والمجتمع، ومثل هذا يقال في مسألة الرّيف والمدينة وما تترك في النفوس من آثار ممزّقة عندما تتحول إلى نزعات هدّامة، ومسألة الحزبيّة عندما يتحوّل الحزب من مؤسّسة كبرى جامعة تشارك مع غيرها في بناء حضارة الأوطان إلى حالة تشبه الصّنمية وتقوقع وانغلاق واحتكارٍ للحقّ.

إنّ ألوان الخطر الّذي تحمله الهُويّات المتطرّفة والمنحرفة من خلال تشويهها هي ألوان عديدة تؤدي إلى عدم استقرار الدّول والمجتمعات، وتصلُ بالبلاد إلى حالة من الفوضى والصّراع والاقتتال، بل قد تصل بها إلى التّقسيم غير المستقر القائم على استمرار الصّراع، مما يجعل البلد الواحد بلدانا ممزّقة متعادية تسودها حالة الكراهية والعداء وما يتبع ذلك من الخسارات الكبرى على صعيد الإنسان والبلدان.

إنّ الحالة السُّوريّة اليوم بشتّى ساحاتها تحتاج إلى فهم عميق لمعنى الهوية والانتماء، فهم تجمع فيه بين الحقيقة والمحافظة على الانتماء العام لأهلها في تاريخهم ولغتهم وثقافتهم ودينهم، وبين التّعدّد والتّنوع القائم فيها، فهمٍ وطرحٍ يحترم كلّ الانتماءات والثقافات واللغات والأديان ويسعى في تكاملها، ويولّد حالة من الثّقة بين أبناء البلد الواحد، فيما يمكن أن نسميه باستقواء السّوري بالسّوري فيرى كلّ منهما الآخر متساوياً معه، ومعترفاً بحقّه، ومكمّلاً له، بل مدافعاً عن حقّه في الحفاظ على هويته الخاصة، لتتولد حالة من الثّقة كافية لتماسك البلد واستقراره والنهوض به بعد ما حلّ به من دمار في الحجر والبشر والنفوس، تحتاج سورية وأبناؤها اليوم أكثر من أي مرحلة في تاريخها عند الكلام عن الهوية وخصائصها ديناً ولغةً وقوميّةً وتاريخاً ومنطقةً وثقافةً وحزباً أو تيّاراً إلى طرح الوجه الفطريّ المشرق الجامع الباحث عن أكبر قدر من المشترك بين جميع الشّركاء والمكوّنات فيها، وتحتاج أكثر إلى التّخلص مما لحق بهذه السّمات والخصائص من نعرات وارتياب من الآخر واستعلاء عليه وطائفيّة ضيّقة وعصبياتٍ قوميّة، تحتاج أن تهدم هذه الصّفات الخطيرة القاتلة لتمدّ بعدها جسور المحبّة والثقة والمساواة والتّكامل لبناء وطن آمن مستقر يسعد فيه جميع أبنائه وينهضون به مجتمعين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق