الوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

في ذكرى موته.. “حافظ الأسد” محطات الإجرام والأدوار السوداء

إعداد الباحث في مركز مناصحة أحمد الهلالي

مناصحة – متابعة 

يستحضر السوريون في ذكرى هلاك طاغية الشام في اليوم العاشر من حزيران ذكريات القهر والظلم والحرمان، ثلاثون سنةً من حكم “حافظ الأسد” كلّها عجافٌ، سنواتٌ بعضها من بعض، مُلئت سوريا ظلماً وجَوْرًا وقهرًا واضطهادًا واستبدادًا، مات طاغية الشام، وانتُزِعَت روحه إلى بارئها حيث العدالة الإلهية المطلقة، ليست محكمة ميدانيةً ولا عسكريةً ولا أمن دولة، وهناك لا شبيحة ينصرونه، ولا مال ينفعه، ولا أجهزة استخبارات تحميه.

مات طاغية الشام وخلّف إرثاً ثقيلاً من الظلم والحقد والاضطهاد، وولداً سفيهاً استمرّ في حكم البلاد على سيرة والده، سقط من جعل نفسه إلهاً وتلقب بألقاب الخلود، ومضى إلى المحكمة العادلة، ليست كالمحاكم التي شيدها في الأرض لا محكمة استثنائية ولا عُرفية ولا مَيدانية ولا عسكرية، ولا أمن الدولة الأسدية..

هي محكمةٌ ربانيةٌ، قاضيها الملك الحقّ العدل الجبار.

سقطت ألقاب الهر:

الرفيق الفريق الركن القائد الخالد، الأمين العام للحزب، قائد القوات المسلحة، السيد الرئيس.. أسماءٌ وألقابٌ ماتت وسقطت مع جيفته، فلم ترفع مقامه، ولم تزده إلا وضاعةً ودركاً في النار بعد أن أنزل بالوطن والشعب كلّ أنواع الذلّ والمهانة.

في كلّ بيتٍ سوريٍّ حكاية وجعٍ، وفي كلّ عائلةٍ قصة شهيدٍ أو جريحٍ أو مهجّرٍ أو ملاحقٍ أو فارٍّ أو مهاجرٍ.

خلّف “القائد الخالد” لشعبه إرثاً ثقيلاً من الطغيان، خلّف لهم قانون الطوارئ والأحكام العُرفية، ومعتوهاً أبله سلمته الطغمة الحاكمة مقاليد الحكم بعد تفصيل دستورٍ يلائم المسرحية، وطائفةً حاكمةً متصرفةً بالبلاد والعباد كما تشاء، عدا عن كل ملفات الفساد المالي والإداري والوظيفي والأخلاقي، ليس أهونها ملف النفايات النووية التي دفنت في صحراء تدمر.

الانقلاب وكيف وصل الطاغية إلى السلطة:

استُفتح عهد الاستقلال السوري، بسلسلةٍ من الانقلابات العسكرية، ومن ضمنها فترة الوحدة مع مصر (1958)، إذ كانت أيضاً مرحلةً انقلابيةً ألغيت فيها الحياة السياسية، وحُلّت الأحزاب، وتمّ الاعتداء على الملكيات الصناعية الخاصّة تحت مسمّى التأميم، ومع وقوع الانفصال في أواخر 1961، عادت سورية إلى مهبّ الريح، وعاشت صراعاً على السلطة بين القوميين من جهة وبقية الاتجاهات السياسية من جهةٍ أخرى، ولأنّ الجيش السوري كان مليئاً بضباطٍ قوميين أقوياء، فقد سيطروا على السلطة بعد محاصرة الإذاعة السورية وقراءة البيان رقم 1.. في الثامن من آذار 1963، ووصل حزب البعث إلى الحكم بانقلابٍ عسكريٍّ، تلاه انقلابٌ آخر لحافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع، وسمى انقلابه بالحركة التصحيحية “المجيدة”، حيث انقلب على رفاق دربه، وزجّ بهم في السجون، وتفرّد بالحكم، واستبدّ بالرأي حتى هلك.

المحطة الأولى: بائع الجولان:

من الصور اليومية التي كان إعلام البعث يرسّخها ويجترّها يومياً صورةٌ لحافظ الأسد باللباس العسكري وهو يرفع العلم في سماء القنيطرة المهدّمة، بينما الحقيقة الواضحة للسوريين عموماً وللطبقة المتابعة للشأن السوري خصوصاً تقول إنّ وزير الدفاع يومذاك، حافظ الأسد، أعطى في اليوم التاسع من شهر يونيو/ حزيران 1967 أمراً للجيش السوري بالانسحاب من القنيطرة دون قتالٍ، قبل اقتراب القوات الإسرائيلية منها.

يتطرق سامي الجندي [1] في كتابه “كسرة خبز” إلى مهمة التفاوض السرية التي قام بها في فرنسا:
اختارني ماخوس وزير الخارجية السوري لهذه المهمة، وهو لم يعدم الأشخاص ولا الوسيلة للاتصال بإسرائيل.. وأنا متأكدٌ من اتصالاتٍ جرت عن طريق أكثر من دولةٍ ثالثةٍ، وفي أكثر من عاصمةٍ مع إسرائيل… ولست بحاجةٍ ـ بعد ذلك للقول إنّ إعلان سقوط القنيطرة ـ قبل أن يحصل السقوط ـ أمرٌ يحار فيه كلّ تعليلٍ يبنى على حسن النية. إنّ تداعي الأفكار البسيط يربط بين عدم وقف إطلاق النار والحدود سليمة، والإلحاح بل الاستغاثة لوقفه بعد أن توغّل الجيش الإسرائيلي في الجولان، إشارةً هنا إلى أنّ اليهود عرضوا وقف إطلاق النار قبل توغلّهم، فرفض العرض.
وعندما نتتبع فصول معركة الجولان نجد أنّ العسكريين الذين قاوموا اليهود فعلوا ذلك دون أوامر، أمّا الذين صدرت إليهم الأوامر فقد انسحبوا بناءً على خطةٍ.
ثمّ يقول: فوجئت لمّا رأيت على شاشة التلفزيون في باريس مندوب سورية جورج طعمة في الأمم المتحدة يعلن سقوط القنيطرة (وذلك من خلال البلاغ 66 الصادر عن وزير الدفاع حافظ الأسد) الذي أعلن وصول قوات إسرائيل إلى مشارف دمشق، بينما المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة يؤكد أنّ شيئاً من كلّ ذلك لم يحصل .
فلماذا يصدر الأسد البلاغ المشؤوم قبل وصول القوات الإسرائيلية إلى القنيطرة بيومين؟
ولماذا يطلب الانسحاب الكيفي من الجيش؟
ولماذا يقول اللواء أحمد سويداني قائد الجيش السوري عندما سئل عن هذا البلاغ: إنّني -بصفتي مسؤولاً عن الجيش- لم أستشر في البلاغ الذي أعلن سقوط القنيطرة، لقد سمعته من الإذاعة كغيري.. ؟ !
إنّ في طيات هذا الكلام كلّه الإجابة الشافية عن حقيقة صفقة البيع ليرتقي بعدها وزير الدفاع إلى منصب رئاسة الجمهورية بعد الانقلاب الأسود.

دور الأسد في أيلول الأسود:

في الأردن في شهر أيلول الأسود عام 1970، تدخل الجيش البري السوري في الأردن بأمرٍ من قائد الجيوش السورية صلاح جديد، وتعرض الجيش لهجماتٍ من الطيران الأردني والإسرائيلي، فطلب صلاح جديد من حافظ الأسد إرسال مساندةٍ جويةٍ للقوات، لكنّ الأخير رفض، وكانت النتيجة فشل العملية التي بدأتها القوات البرية السورية.


ممّا يذكر، أنّ بعد هذه الحادثة مباشرةً دعا صلاح جديد إلى مؤتمرٍ طارئٍ للقيادة القومية في 30 من أكتوبر لمحاسبة وزير الدفاع حافظ الأسد، لكنّ الأخير، ولكيلا يفتضح أمره، وتظهر خيانته، سارع وانقلب على كلّ من معه، بالانقلاب المعروف في 16 من نوفمبر/تشرين الثاني 1970، حيث قام الأسد بما سمّاه بالحركة التصحيحية، فاعتقل شريكه ورفيقه صلاح جديد وكلّ القيادات [1] سامي الجندي كان وزيراً للإعلام وعضو القيادة القطرية ومن مؤسسي حزب البعث.

البعثية آنذاك، في سجن المزة العسكري لـ23 عامًا حتى توفي في السجن.

بعد ذلك، عيّن حافظ الأسد أحمد الخطيب رئيسًا مؤقتًا لبضعة أيامٍ، ريثما تولى القيادة بنفسه بعد أن أجرى مسرحيةً انتخابيةً شكليةً، ليستمر في الحكم حتى موته.

المحطة الثالثة: أزمة الدستور

لم يصرّح حافظ الأسد في بداية رئاسته بمنهجه الطائفي أبدًا، كما كان يفعل صلاح جديد ومحمد عمران وغيرهم من القيادات البعثية، لكنّه كان يمارس ذلك أفعالًا وسياساتٍ، فجعل السلطة الحقيقية بيد الجيش وأجهزة المخابرات التي أسّسها لاحقاً، والتابعة له مباشرةً، وبطائفيةٍ قذرةٍ، فأولى الجيش والأجهزة الأمنية كلّ اهتمامه، وبعد أن استحكم سيطرة الأقلية العلوية على الجيش، سار بالنهج ذاته مع الأجهزة الأمنية والمخابرات، وبعد أن كان هناك ثلاثة أجهزةٍ للمخابرات (عامة – عسكرية – الشعبة السياسية التابعة لوزارة الداخلية) قبل وصول الأسد للسلطة، أصبحت في زمنه أكثر من 16 جهازًا تعمل بعدائيةٍ تنافسيةٍ فيما بينها، خشيةً من تآمرهم معًا، وكانت تلك من سياسات حافظ الأسد لانفراده بالحكم.

في أواخر عام 1972 أقرّ مجلس الشعب مشروع الدستور الذي دعا إليه حافظ الأسد، فكانت الصدمة حينها للسوريين عموماً وللإسلاميين خصوصاً، ومن ضمنهم الإخوان المسلمون، إذ لم يذكر في الدستور أنّ دين الدولة وهويتها هو الإسلام، وأنّ الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، فانتفض الناس في احتجاجاتٍ واسعةٍ في سائر أنحاء سوريا، شارك فيها كبار علماء سوريا، ما شكّل ضغطاً كبيراً على الأسد، اضطره لتعديل مشروع الدستور، الذي نصّ على الهوية الإسلامية ودين رئيس الجمهورية هو الإسلام، ولأنّ الطائفة العلوية لا تتبنّى الإسلام بمصادره المعروفة، فقد أوكل حافظ الأسد إلى صديقه موسى الصدر رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان آنذاك، إصدار فتوى تنصّ على أنّ العلويين من الشيعة المسلمين، ومع إصدار هذه الفتوى أزال الأسد العقبة الأخيرة التي كانت تعترض سلطته في البلاد.

حرب تشرين: مسرحية أم تحرير؟

في تشرين/أكتوبر 1973، بدأت الحرب مع “إسرائيل”، شارك حافظ الأسد إلى جانب أنور السادات في مصر، بهدف استرجاع الأرض التي اغتصبتها “إسرائيل” من العرب في حرب يونيو/حزيران 1967.

خلال الحرب، وفي الوقت الذي عبرت فيه القوات المصرية قناة السويس، وحطمت خط بارليف، ورفعت العلم المصري في سماء سيناء، كانت قوات حافظ الأسد تتقهقر إلى عمق الأراضي السورية أمام القوات الإسرائيلية، فوصل طول خط الانسحاب إلى نحو مسافة 54 كيلومترًا، باتجاه دمشق، لتصبح دمشق تحت رحمة المدفعية الإسرائيلية.

تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية وقتها لتضغط على “إسرائيل” للتوقّف عن القصف، وتعقد فيما بعد اتفاقية “فك الاشتباك” مع الأسد، التي تضمّنت بنوداً معلنةً متعلقةً بوقف إطلاق النار، وبنوداً سريةً تفضي بتعهد الأسد بحماية حدود “إسرائيل”، مع تنازله عن 34 قريةً وقعت بيد “إسرائيل” خلال الحرب الأخيرة، لتدخل مرتفعات الجولان المحتلّ في صمتٍ كصمت القبور، لنحو 40 سنةً لا يعكّر الأجواء فيها أزيز رصاصةٍ واحدةٍ.

لاحقاً أصبح واضحاً أنّ الحرب كانت مجرّد مسرحيةٍ لتلميع صورة حافظ الأسد وتحويله إلى بطلٍ قوميٍّ، مسرحية مليئة بالخداع والتدليس، سلّم فيها الأسد مساحاتٍ أكبر من التي خسرتها سوريا في نكسة حزيران.

وبعد انتهاء الحرب مباشرةً بدأت حملات الاعتقال تطال الذين شاركوا في مظاهرات الدستور في العام الذي سبق الحرب، وكانت معظم تلك الاعتقالات التعسفية الإجرامية تطال المنتسبين لجماعة الإخوان المسلمين.

في 30 من يونيو/حزيران 1975 اعتقلت المخابرات الجوية الشيخ مروان حديد (مؤسس وقائد حركة الطليعة في سوريا المنبثقة عن الإخوان)، بعد أن قضى عدة سنواتٍ في الخفاء هاربًا من مكانٍ إلى آخر، وتمّت تصفيته في سجن المزة العسكري في الشهر السادس من عام 1976.

قرارات تسريح الضباط والمدرسين:

أصدر النظام العديد من المراسيم الرئاسية التي تقضي بتسريح أعدادٍ كبيرةٍ من الضباط الذين يشكّ النظام في ولائهم، وبالأخصّ من أهل السنّة والمرتبطين بجماعة الإخوان على وجه الخصوص، كما أصدر العديد من مراسيم تسريح المدرسين الإسلاميين في حلب ودمشق واللاذقية، ونقل الكثير من المدرسين المتدينين إلى أماكن أخرى بعيدًا عن سلك التدريس. مع ملاحقاتٍ أمنيةٍ شديدةٍ لكلّ منتسبٍ للإخوان في سوريا، كلّ تلك الإجراءات كانت التمهيد لسلسلة المجازر التي ارتكبها النظام لاحقاً بدءاً من مجزرة جسر الشغور.

مجزرة جسر الشغور:

في الـ8 و9 من مارس/آذار 1980 شهدت مدينة جسر الشغور إضرابًا شاملاً وحركة احتجاجيةً من طلاب الثانويات، وشارك فيها كثيرٌ من المواطنين، ندّد المتظاهرون بممارسات الأسد ونظامه في قمع المعارضين.

وفي ليلة الـ10 من مارس/آذار وصلت إلى المدينة أكثر من 25 طائرةً محملةً بجنود الوحدات الخاصّة، وسرايا الدفاع التابعة للمجرم رفعت الأسد بقيادة علي حيدر وعدنان عاصي قائد مخابرات إدلب، وتوفيق صالحة، وحاصرت القوات المدينة، وفرضت حظر التجوال فيها، وبدأت تقصف أحياء المدينة كافةً بالمدافع.

وخلال ثلاثة أيامٍ، اقتحمت الكتائب المدينة، وارتكبت مجازر مروعةً راح ضحيتها عشرات المدنيين ممّن لا ذنب لهم سوى أنّهم من أهل المدينة، وكانت الوحدات الخاصّة وكتائب المشاة تقتل كلّ من تصادفه أمامها، بحسب شهادات من نجا من تلك المجزرة وتحدث عنها.

قانون العار.. ومجازر بالجملة:

في الـ7 من يوليو/تموز 1980 صدر القانون (49) عما يسمى “مجلس الشعب”، والذي يقضي بإعدام كلّ منتسبٍ لجماعة الإخوان المسلمين، بأثرٍ رجعيٍّ، أي سواءٌ من انتسب قبل تاريخ صدور هذا القانون أم بعده، وسواءٌ ثبتت له علاقةٌ مباشرةٌ أم غير مباشرةٍ بالعمل المسلّح أم لم تثبت إطلاقًا!

وأعطى القانون فرصةً للنجاة من حكم الإعدام خلال مدة شهرٍ بشرط الانسحاب والتسليم، غير أنّ أكثر من عشرة آلاف معتقلٍ آنذاك بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين لا تجري عليهم تلك الفرصة؛ إذ كان الأسد قد بدأ أساسًا بتنفيذ عمليات الإعدام في السجون، وربما تكون أفظع المجازر هي التي جرت في تلك المعتقلات، ولا يعلم أحدٌ ضحاياها!

ومن مارس/آذار إلى سبتمبر/أيلول من سنة 1980 تمّ توثيق 8 مجازر في جسر الشغور وجبل الزاوية والمشارقة وتدمر والحجاب بدمشق وثلاث مجازر بحماة وحدها.

 

ومن المجازر السوداء الشنيعة مجزرة سوق الأحد في حلب بتاريخ 13/7/1980م، حين هاجمت ميليشيات حافظ الأسد السوق المزدحم بالناس البسطاء، من عمّالٍ وفلاحين ونساءٍ وأطفالٍ، وأطلقت عناصر الأسد الإرهابية النار عشوائياً على الناس، فسقط منهم مئةٌ واثنان وتسعون قتيلاً وجريحًا.
ثمّ كانت مجزرة حي المشارقة في حلب في صباح عيد الفطر 11/8/1980م، حيث ارتكبت قوات حافظ الأسد واحدةً من أقبح مجازرها في ذلك الحيّ، حيث قتلت حوالي مائة مواطنٍ، ودفنتهم الجرافات، وبعضهم كان ما زال جريحاً لم يفارق الحياة. [1]

مجزرة حماة الكبرى:

صباح الثاني من فيراير/شباط 1982 شنّ جيش نظام الأسد حملةً عسكريةً واسعةً، ضدّ ما سمّاه عصيان جماعة الإخوان المسلمين في المدينة، واستمرّت الحملة شهراً كاملاً، ارتكبت جيش حافظ ووحدات وسرايا رفعت الأسد خلالها العشرات من المجازر داخل المدينة، وقصفت الأحياء عشوائياً بالدبابات والمدافع والطيران، وبعد القصف المتواصل، اقتحم الجيش المدينة واجتاحها بريًّا، ليقتل عشرات الآلاف من أهلها.

 

الإحصاءات تشير لوقوع حوالي عشرين مجزرةً قام بها الأسد في أحداث الثمانينيات، غير مجزرة حماة الكبرى، وراح ضحية هذه المجازر أكثر من 35 ألف قتيلٍ، إضافةً إلى عشرات الآلاف من المعتقلين [2].

إجرامٌ عابر للحدود:

لم يكن الشعب السوري الوحيد الذي عانى من إجرام الأسد، فقد طال ظلم الأسد الشعوب المجاورة لسوريا، لشقيقتيها، لبنان وفلسطين، إضافةً إلى التآمر على الدول الأخرى كالعراق وتركيا لزعزعة الأمن والاستقرار فيها.

لبنان:

اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وبعد حوالي عامٍ واحدٍ دخلت قوات الأسد إلى لبنان بحجة وقف الحرب الأهلية والدفاع عن المقاومة الفلسطينية وحمايتها! يقول اللواء محمد فارس: إنّ تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية لم يكتب بشكلٍ حقيقيٍّ حتى الآن، وإنّ حافظ الأسد دخل إلى لبنان بموافقةٍ إسرائيليةٍ مكتوبةٍ، وكان الهدف الأساسي ضرب القوات الفلسطينية. [3]

رفضت الحركة الوطنية اللبنانية ومثيلاتها من الأحزاب اليسارية وجميع الفصائل الفلسطينية، تدخل الجيش السوري في لبنان، بينما رحبت الأحزاب اليمينية اللبنانية بالتدخل السوري بدايةً.

بعد فترةٍ وجيزةٍ ونشوب العديد من المعارك في صوفر وصيدا بسط الجيش السوري نفوذه على كامل لبنان حتى 1977، لحين انتفاض “الموارنة” ضدّ الأسد، وإخراجه من مناطق الأشرفية،

ارتكب النظام خلال هذه الفترة عشرات المجازر؛ مثل مجزرة مخيم تل الزعتر الفلسطيني، شمال شرق بيروت، حين عجزت الكتائب المسيحية والموارنة عن اقتحامه خلال الحرب الأهلية، فجاء الدعم والتدخل من الجيش السوري! 50 يومًا من الحصار، وأكثر من 50.000 ألف قذيفة مدفعية قصف المخيم بها من جيش حافظ، وكلّ ذلك كان يحصل بالشراكة بين الكتائب المسيحية والجيش السوري برعاية إسرائيل.

حتى حدثت في يومٍ واحدٍ مجزرتان راح ضحيتهما 3500 قتيل، وقد حصلت مثل هذه المذبحة أيضًا في مخيماتٍ أخرى.

كما كان للنظام دورٌ كبيرٌ في مذبحتي صبرا وشاتيلا الأولى والثانية، وكانت كتائب الموارنة وبدعمٍ من القوات السورية والإسرائيلية ترتكب العديد من المجازر الوحشية في عدة مخيماتٍ كمخيم صيدا، كما حاصرت قوات حافظ الأسد طرابلس بالتعاون مع مليشيات جبل محسن، دكّت قوات الأسد على مدى شهرٍ كاملٍ طرابلس بأكثر من مليون قذيفة مدفعية حسب وكالات أنباء بيروت، دمرت خلالها أكثر من نصف أحياء المدينة، وارتكبت العديد من المجازر؛ كمجزرة منطقة التبانة ومجازر الضنية وعكار، وكان عدد الضحايا يفوق الألف قتيلٍ، بحسب تقارير منظمة العفو الدولية.

دوره في الحرب العراقية – الإيرانية:

في سبتمبر/أيلول 1980 اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، قام حافظ الأسد على الفور بإقامة جسرٍ جويٍّ بين دمشق وطهران لنقل كمياتٍ كبيرةٍ من الأسلحة السوفيتية والبطاريات المضادة للطائرات، وفتح الأسد مراكز التدريب في سوريا للإيرانيين، وتمّ سحب الكثير من الأسلحة من مخزونات الطوارئ الحربية للجيش السوري.

وإلى جانب ذلك، كان نظام الأسد المزود الرئيس للمخابرات الإيرانية بالمعلومات السرية عن العراق، مع فتح أبواب دمشق للمعارضين الشيعة. [4]

دعم إرهاب حزب العمال الكردستاني:

 

يعود تاريخ وجود تنظيم (PKK) الإرهابي في سوريا إلى عام 1978، وكان زعيمه عبد الله أوجلان قد استقرّ في دمشق منذ ذلك الوقت تحت حماية الاستخبارات العسكرية برئاسة علي دوبا، إلى حين تبرّء النظام منه وطرده بموجب اتفاقه مع تركيا.

وفّر نظام حافظ الأسد الدعم للحزب خارج حدود تركيا، وأقام معسكرات التدريب لعناصر الحزب، وآوى زعيم الحزب “عبد الله أوجلان”، ووفّر له تنسيقًا وتواصلًا كبيرًا مع إيران، وعدّ حزبَ العمال الكردستاني قوةً رديفة للتحكم بالكُرد السوريين، رغم أنّ القائمين على مشروع الحزب هم أكرادٌ علويون “دينيًا”، ويساريون ماركسيون “توجهًا”. [5]

عام 1998 تمّ توقيع اتفاقية أضنة بين الجانبين السوري والتركي، وعلى إثرها تمّ طرد أوجلان من سوريا، وتقييد عمل الحزب “شكليًا”، وبدأت الأمور نسبيًا بالهدوء، وخفض التوترات بين تركيا وسوريا.

الأسد والأرمن:

تلقّى الأسد تحذيراً شديداً من تركيا نتيجة دعمه لحزب العمال في معاركه الانفصالية ضدّ تركيا، كما تلقّى تهديداً بإنشاء حزامٍ أمنيٍّ في عمق الأراضي السورية بحدود 10كم، فانتقل الأسد إلى ملفٍ آخر مستمراً في دعم كلّ الطرق المزعزعة للاستقرار، ودعم الإرهاب المحلي والإقليمي، وإحدى هذه الملفات كانت دعم النظام السوري لمنظمةٍ أرمنيةٍ إرهابيةٍ، فقد وفّر حافظ الأسد للأرمن أيضًا معسكرات تدريبٍ على الأراضي السورية، برعاية الاتحاد السوفيتي وإشراف خبراء روس.

وتتحدث التقارير عن اجتماعٍ جمع بين رئيس المخابرات العسكرية (علي دوبا) في 23 من أكتوبر/تشرين الأول 1983 في جنيف مع قيادة منظمة ASALA الأرمنية الإرهابية، للاتفاق على تنفيذ العمليات الإرهابية ضدّ تركيا، لمنعها من إنشاء الحزام الأمني، وقد شهدت المنطقة التركية بالفعل العديد من العمليات الإرهابية بعد ذلك التاريخ. [6]

ولعب الأسد دورًا كبيرًا في الربط بين الأرمن في منظمة ASALA والأكراد في منظمة PKK، وربطهم معًا بالخبرات السوفيتية والإيرانية.

مجازر ومذابح سجن تدمر:

لسجن تدمر حكايةٌ أخرى، هو بالفعل عارٌ في جبين الإنسانية، ووحشيةٌ لم يعهدها التاريخ، تتصاغر أمامها ما يُحكى عن المعتقلات النازية، وما يرويه التاريخ عن التتار جرائم أكثر وأكبر من أن تتخيل وتدرك وتحصى، مع التعتيم الشديد على ما يجري فيها، وطمس تلك الجرائم،

 

ومن بين عشرات الألوف، أعدادٌ نجاهم الله من تدمر أحياءً، رووا من الوقائع الرهيبة ما يفوق كلّ تصوّرٍ، لدرجة أنّ الموت كان راحةً وأمنيةً وحلماً لكلّ معتقلٍ، مع كلّ ذلك، فقد ارتكب المجرمون في سجن تدمر عدّة مجازر، منها: المجزرة الكبرى التي ارتكبها الطائفيون الآثمون يوم 27/6/1980م عندما أمر السفّاح رفعت الأسد، عناصره من سرايا الدفاع بتنفيذها، وأوكل رفعت المهمّة لصهره الرائد الطائفي معين ناصيف، فاقتحم سجن تدمر، وقتل عشوائياً أكثر من ألف معتقلٍ قابعٍ في زنزانته.

فخلف جروٌ ألعن من أبيه:
بعد هلاك المجرم حافظ الأسد، جاء ابنه بشار من بعده، بعد تحالف الطغمة الحاكمة وتفصيل دستورٍ يناسب مقاس سيطرة بشار على الحكم ليفرض نفسه على الشعب السوري، دون انتخاب الشعب أو اختياره، بل صعد للحكم بالإجبار، وبدعمٍ من حزب البعث الإجرامي، وبتآمرٍ دوليٍّ ليتبع سياسة والده في القمع والإرهاب، وإن خدع السوريون وهلةً، واستبشر بعضهم بحكم “الشاب الطموح”، إلا أنّ غمامة الصيف سرعان ما تبدّد، وسرعان ما انكشف الغبار، فما وجد السوريون غير حمارٍ أضلّ من أبيه، وجرواً ألعن من أبيه.

نعم لقد ندم السوريون على الثورة.. لا لأنّهم خرجوا يواجهون أعتى الأنظمة قمعاً وظلماً واستبداداً.. بل لأنّهم تأخروا فيها.

 

[1] https://www.shrc.org/?p=22440

[2] https://arabicpost.net/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/middle_east/2019/02/03/%D9%85%D8%AC%D8%B2%D8%B1%D8%A9-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF/

[3] https://www.noonpost.com/content/37064

[4] https://www.noonpost.com/content/37064

[5] https://www.enabbaladi.net/archives/140200

[6] http://www.shaam.org/news/syria-news/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8.html

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق