الوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

سورية القادمة: بين (التعددية) ودعوات الطهارة والنقاء!

بقلم: محمد أمير ناشر النعم

مناصحة – متابعة 

يشعر معظم السوريين اليوم ممن يستخدم قنوات التواصل الاجتماعي أنّهم يجب أن يكونوا أول المعنيين برسم معالم سورية المستقبل. سورية القادمة من رحم المجزرة الأقسى والأفظع، وترى ذلك في منشوراتهم وتعليقاتهم ومشاركاتهم التي كشفت ميولهم بوضوحٍ، وأبرزت رغائبهم بجلاءٍ، فما عاد للتخمين والتخرّص دورٌ، ولا للتكهن مزيةٌ أو اعتبارٌ.
ويدرك السوريون أنّهم يقفون أمام أهم مفترقٍ من مفترقات الطرق في تاريخهم المعاصر. مفترقٍ سيحدد مصيرهم، ومصير أبنائهم وحفدتهم من بعدهم، بل ومصير الدول المحاذية لهم، سلباً أو إيجاباً، تطوراً أو تدهوراً، فناءً أو بقاءً، بناءً على حسن اختيارهم وتوفيقه، أو على سوئه وفساده.

وما يلفت النظر اليوم تكاثر الدعوات لسورية (نقية طاهرة)! (نقية) من الطوائف المخالفة، و(طاهرة) من الأقليات المغايرة! وتتبدل هذه (الطوائف) و(الأقليات) من شخصٍ لآخر، فلكلّ واحدٍ من أنصار (الطهارة والنقاء) طائفةٌ أو أقليةٌ يجب التخلّص منها وإبادتها، أو طردها وإخراجها، من أجل غدٍ أفضل أكثر (إسلاميةً) أو (وطنيةً)، أو (تقدميةً)!
إنّ نفي (التعددية) بحثاً عن (الطهارة والنقاء) يعني بدلالة فحوى الخطاب أنّ (التعددية) هي تلطخٌ، أو تلوثٌ، أو حتى نجاسة. فهل هي كذلك فعلاً؟ وهل هذه الدعوات (للنقاء والطهارة) هي دعواتٌ واقعيةٌ؟ عقلانيةٌ؟ صائبةٌ؟ رغم مسوغاتها وذرائعها القائمة على وقائع وتجارب لا مجال لإنكارها أو لغضّ الطرف عنها؟!
سأختصر الإجابات إلى واحدةٍ من خلال الاعتبار باختيارات من سبقنا من الدول والشعوب، عندما وقفت على مفترق طرقٍ كما نقف اليوم.

ولعلّ أقرب مثالٍ للسوريين الآن هم المسلمون الهنود الذين وقفوا أمام مفترق طرقهم قبيل الاستقلال من الاستعمار البريطاني، فاختاروا (الباكستان)، هذه الكلمة التي تعني حرفياً (الأرض النقية) أو (الأرض الطاهرة). واستقلوا عن (الهند)، وشكلوا دولتهم التي أرادوها (نقية) من ظلم الهندوس، (طاهرة) من كفرهم.
وكم كانت فرحة المسلمين في كلّ أنحاء العالم الإسلامي غامرةً، وكم كانت نشوتهم طافحةً، يوم أُعلنت دولة (الباكستان)، النقية الطاهرة، وبلغ من تعاطف المسلمين في شتى أنحاء العالم أن بات قسمٌ منهم يلبس القبعة الباكستانية تضامناً مع الباكستان وتعاطفاً معها، وفرحاً بتحققها.

ولكنّ المسلمين وهم في تلك الغمرة الغامرة، لم ينتبهوا إلى أنّ (الطهارة) لا تتمّ بدون (تطهيرٍ)، وإلى أنّ (النقاء) لا يصحّ دون (تنقيةٍ)، من أجل ذلك رُحّل ملايين الهندوس وملايين المسلمين، وبدّلت مواقعهم وأراضيهم تبديلاً نزّت منه كلّ أنواع صديد الظلم والقهر والمعاناة، ولكن لا بأس. أليس حلم (الطهارة والنقاء) سيتحقق؟ أليس التلوث سيزهق؟ والنجاسة ستُمحق؟ إذن ستهون في سبيل ذلك كلّ الصعاب.

غير أنّ نشوة المسلمين لم تدم، فقد ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، الفكرة التي عبّر عنها مالك بن نبي خير تعبيرٍ في كتابه “وجهة العالم الإسلامي”، حين رأى أنّ قيام (الباكستان) كان خديعةً بريطانيةً كبرى أملاها دهاء تشرشل وبعد نظره، الذي عرف كيف يعزل الإسلام عن الشعوب الهندية، وكيف يعيق قيام اتحادٍ هنديٍّ قويٍّ، وكيف يقيم منطقة أمانٍ، وحجراً صحياً ضدّ الشيوعية. (انظر: مالك بن نبي، “وجهة العالم الإسلامي”، ط:1، سنة 1986، دار الفكر، دمشق، ص 105).
أمّا ما لم يذكره مالك بن نبي -رحمه الله- فهو أنّ بريطانيا الخبيثة الماكرة كرّرت هذه السياسة مرتين، وليس مرّةً واحدةً.
الأولى: في الهند حين مهّدت السبل والأجواء لإعلان دولة (الباكستان)، هذا الإعلان الذي سبق إعلان دولة الهند نفسها بيومٍ واحدٍ.
الثانية: في فلسطين حين مهّدت بالآلية نفسها لإعلان دولة (إسرائيل)، مقدّمةً المسوغات والذرائع أنفسهما التي قدّمتها الباكستان.

حسناً لنضرب صفحاً عن ذلك، ولنغضَّ الطرف عن الحروب التي خاضتها الباكستان مع جارتها الهند، التي هي في حقيقة الحال والمآل حروبٌ مع ذاتها، ولنسائلْ الواقع: هل حققت الباكستان (الطهارة والنقاء)؟
والجواب هو الكارثة اللامتوقعة، والتي يمكننا أن نصوغها في القانون التالي: (يقود السعي لنفي التعددية تحقيقاً للانسجام إلى مزيدٍ من التعدد، والتشظي، والانقسام، والتلوث بدماء الناس)، لأنّ هذا السعي هو معاندٌ ومجانفٌ لمنطق جميع الأشياء، ففلسفياً وكلامياً ندرك أنّ (الوحدة الكاملة والانسجام التامّ) هما لواجب الوجود وواهبه فقط، أمّا نحن الكائنات الممكنات فـ (التعددية) هي من لوازم وجودنا بل من مقوّماته، وأمّا كيميائياً فبدون (التعددية) لا تفاعل ولا تواصل، وأما بيولوجياً فـ (الوحدة) هي الموت، و(التعددية) هي الحياة.

لذلك لم تمضِ سوى عدة سنواتٍ حتى وقعت الحرب في الباكستان نفسها كرمى التعالي على (التعددية اللغوية) في هذه المرة، لتتشظى، من جديدٍ، الأرض (النقية الطاهرة) إلى (باكستان الغربية = باكستان الحالية)، وإلى (باكستان الشرقية = بنغلادش)!!! أمّا الضريبة (ضريبة النقاء والطهارة ونفي التعددية اللغوية) فكانت مليون ضحيةٍ، وخسارة سبع مساحة البلاد، وأكثر من نصف السكان.

وإذا ما تركنا بنغلادش بحالها وعدنا للباكستان الحالية، فسنجد أنّ الشيعة فيها ما زالوا يحلمون بالنقاء والتخلّص من السنّة، وأنّ السنّة ما زالوا يحلمون ويأملون بالطهارة والتخلّص من الشيعة، ناهيك عن القاديانية، والإسماعيلية، والهندوس ممّن لم تستأصل شأفتهم نهائياً، من أجل ذلك لا بأس للشيعي مرّةً، وللسنّي مرّةً أخرى أن يلبسا، بدلاً من حزام العفة الذي كانت تلبسه النساء في القرون السالفة، أحزمةً ناسفةً تنشر بقع الدم القاني تمهيداً وتأهيلاً للنقاء والطهارة والبياض.

والخلاصة.. مرّت الأيام، وأثبتت قصر نظر أنصار (النقاء والطهارة)، وأكّدت خبل عدائهم (للتعددية)، فالباكستان لم تحقّق لا الطهارة ولا النقاء، وإنّما حروباً متواليةً، وانقلاباتٍ عسكريةً متتاليةً، ومزيداً من التلطخ القاتم، والتفتت المفجع، والانقسام الرهيب الذي شرخ البلد شرخين هائلين (باكستان وبنغلادش)، وبدلاً من أن يكون المسلمون في دولةٍ واحدةٍ هي الهند، وعوضاً عن أن يكون عددهم فيها أكثر من نصف مليار نسمةٍ، تمّ تجزئتهم إلى 200 مليون في الهند، و160 مليون في الباكستان، ومثلهم في بنغلادش. فكم كانت مجحفةً نتيجة هذه الدعوات لنفي التعددية، وكم كانت غبيةً بل مجرمةً!
وخلاصة الخلاصة: يجب ألا تخدعنا الكلمات الجميلة، ذات الجرس اللطيف، والملمس الناعم الفتّان، (نقاء…. طهارة…. انسجام… إلخ) فقد تكون مجرّد أفاعٍ في أنيابها الرهق والمعاطب والمهالك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق