الوحدة الوطنيةمقالاتمقالات الوحدة الوطنية

حصائد جرائم روسيا في سوريا

قبل ست سنوات، صرحت القيادة الروسية إن تدخلها في سوريا ضمن سياق محاربة الإرهاب /داعش ومن أجل المحافظة على مؤسسات "الدولة السورية"، وبتلك الذرائع بدء الاحتلال الروسي في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية وضرب البنى التحتية وقتل المدنيين وتهجيرهم حتى اليوم، فيما يغيب في الأفق أي تغير في سياسة روسيا

مناصحة – متابعة 

آثار تدخل الاحتلال الروسي:

التدخل الروسي المباشر اعتبارًا من 30 من أيلول 2015 ساعد الميليشيات الإيرانية وميليشيات النظام على استعادة احتلال حوالي 60% من الأراضي السورية.

كما أدى التدخل بشكل مباشر إلى ترحيل السوريين وتهجيرهم بشكل جماعي وإلى تغيير ديمغرافية المناطق التي تحتلها قوات الأسد مع الميليشيات الطائفية الإيرانية، فالأراضي المستولى عليها من قبل قوات النظام والميليشيات الإيرانية تفرغ من سكانها بشكل شبه كامل مع كون تلك القوات لا تتقدم أساساً إلا بعد تدمير المنطقة تدميراً شاملاً، والمناطق التي تدخل تحت سيطرة تلك الميليشيات عن طريق سياسة الحصار والتجويع يتم ترحيل سكانها إلى الشمال أو إلى تركيا أو إلى لبنان والأردن بإشراف روسي مباشر.

ما فعله التدخل الروسي كان بمثابة الضوء الأخضر للميليشيات الطائفية الإيرانية مع قوات الأسد وحلفائه المرتزقة والطائفيين الآخرين أشبه ما يكون بمحاولة محو البلاد بأكمله، فقد أشرفت تلك الميليشيات على تهجير أكثر من عشرة ملايين سوري من بيوتهم، ورمت بستة ملايين منهم إلى خارج سوريا، وقتلت مع قوات النظام أكثر من نصف مليون، وخلّفت أكثر من مليون جريح وذي إعاقة!

ورغم ادعاء النظام الروسي أن تدخله للمحافظة على مؤسسات الدولة السورية، فإن متابعةً بسيطة لسياسة روسيا في تدخلها في الشأن السوري يكشف أنها تسعى للمحافظة على النظام ورأسه بشدة ويربط بين الحفاظ على مصالحه في المنطقة مع وجود هذا النظام بشكله الحالي، لذا فهو يسير في سياسة إجبار الشعب والدول الإقليمية على القبول بحل سياسي وفق رؤية وشروط نظام الأسد، عبر فرض وقائع على الأرض واتباع سياسة الأرض المحروقة ضد المناطق التي تخرج عن سيطرة النظام.

استعراض السنوات السابقة:

بدأ سلاح الجو الروسي بتوجيه ضربات جوية في الأراضي السورية بتاريخ 30 سبتمبر 2015، بعد أن طلب بشار الأسد دعمًا عسكريًا من موسكو من أجل مواجهة الثوار الذين كانوا على أبواب العاصمة دمشق، ووافق مجلس الاتحاد الروسي على تفويض فلاديمير بوتين استخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد. جاءت هذه الضربات بعد تزايد الدعم العسكري المعلن لنظام الأسد من قبل موسكو، والإعلان عن تشكيل مركز معلوماتي في بغداد تشارك فيه روسيا وإيران والعراق وسوريا لمحاربة داعش.

ومع أن الانتهاكات الروسية بدأت مع أول عملياتها في سوريا إلا أن كثيراً من التقارير الرسمية تأخرت في الصدور، فوفقًا لمنظمة العفو الدولية، في أواخر شباط 2016 استهدفت الطائرات الحربية الروسية عمداً المدنيين وعمال الإنقاذ أثناء حملة القصف.

كما وثقت منظمة حقوق الإنسان هجمات على المدارس والمستشفيات ومنازل المدنيين، كما قالت منظمة العفو الدولية إن “روسيا مذنبة بارتكاب بعض أفظع جرائم الحرب التي شهدتها منذ عقود”.

وقالت مديرة برنامج الاستجابة للأزمات في منظمة العفو الدولية، تيرانا حسن، إنه بعد قصف أهداف مدنية، تعود الطائرات الحربية الروسية لشن هجوم ثان لاستهداف العاملين في المجال الإنساني والمدنيين الذين يحاولون مساعدة المصابين في الطلعة الأولى.

في فبراير 2016  أفادت هيومن رايتس ووتش (HRW) باستخدام واسع النطاق للذخائر العنقودية من قبل النظام السوري وروسيا ، في انتهاك لقرار الأمم المتحدة 2139 المؤرخ 22 فبراير 2014 ، الذي طالب جميع الأطراف بإنهاء “الاستخدام العشوائي للأسلحة في المناطق المأهولة بالسكان”. وقالت هيومن رايتس ووتش إن “القوات الروسية أو السورية كانت مسؤولة عن الهجمات” وأن الذخائر “صنعت في الاتحاد السوفيتي السابق أو روسيا” قبل التورط الروسي في الحرب، مما يشير إلى أن “الطائرات الروسية استخدمتها أو زودت السلطات الروسية الحكومة السورية مؤخرًا بمزيد من الذخائر العنقودية، أو كليهما”.[1]

روسيا مستمرة في إجرامها:

تواترت التقارير بعد ذلك وتتابعت فقد كشف تقرير أممي أن روسيا شاركت في ارتكاب جرائم حرب في سوريا بفترة سابقة بين تموز/ يوليو 2019 و10 كانون الثاني/ يناير 2020. وأن هناك أدلة على مشاركة طائرات روسية في غارتين على إدلب لم تستهدفا مواقع عسكرية ما تسبب بمقتل عشرات المدنيين.

اتهم تقرير لمحققين من الأمم المتحدة الاثنين روسيا بالمشاركة في ارتكاب جرائم حرب عبر تنفيذ غارات جوية في سوريا، استهدفت مدنيين. ويتحدث التقرير بهذا الخصوص عن فترة تسبق الاضطرابات الأخيرة بين تموز/يوليو 2019 و10 كانون الثاني/يناير 2020.

كما ذكرت لجنة التحقيق حول وضع حقوق الإنسان في سوريا التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 2011 في أحدث تقرير لها أن لديها أدلة على أن طائرات روسية شاركت في غارتين جويتين في إدلب في تموز/يوليو وآب/أغسطس، أسفرتا عن مقتل أكثر من 60 شخصا.

وتحدث التقرير عن وجود أدلة تثبت أن طائرات روسية شاركت في الهجومين وأنه نظرا لأنهما لم يكونا ضد أهداف عسكرية، فإنهما يرقيان إلى مستوى “جريمة حرب”.[2]

ملف المعتقلين.. سقوط أخلاقي روسي آخر:

مئات ألوف المعتقلين والمختفين قسرًا تستخدمهم روسيا ورقة ضغط على المجتمع السوري، وفي مفواضاتها مع الأطراف الأخرى

تذكر بعض التقارير الحقوقية أن عدد الذين قتلوا في المعتقلات جراء التعذيب أو الظروف الكارثية وغير الصحية للمعتقلات وصل إلى أكثر من 104 آلاف شخص [3].

وقد ظهر جزء من تلك الجرائم فيما عرف بتسريبات صور قيصر

وتساعد روسيا النظامَ على الاستمرار في إخفائهم لفرض شروط استمرار الاحتلال، ولإجبار السوريين على القبول باستمرار نظام المخابرات وتبرئة مجرميه، مقابل الإفراج مستقبلًا عن المعتقلين والمختفين قسرًا في سراديب “الأمن العسكري” و”الجوي” ومختلف أنواع المخابرات التي ابتكرها حافظ الأسد.

وتتفاوض روسيا اليوم على سوريا مع إسرائيل، ومع تركيا، ومع أمريكا، ومع أوروبا، ومع الأمم المتحدة، وتعتبر الشعب السوري رهينة لها ولأهدافها الاستراتيجية في القرم وفي شرق أوكرانيا، وتتنافس مع إيران على أكبر قدر من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية مع نظام الأسد.

الفيتو.. جريمة روسيا المتكررة:

“الفيتو” الروسي كان بدوره أداة إجرامية وبلطجة روسية تمارسها على المجتمع الدولي، فقد سمح لإيران وميليشياتها باستباحة دم الشعب السوري وتهجيره، وسمح بوصول الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية التي تديرها إيران في سوريا وتستعملها كسلاح تدمير شامل يجمع بين التدمير العسكري والتدمير السكاني، وهذا الأثر الخطير لا يقارن اليوم حتى بمفعول القنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين.

حقل تجارب الأسلحة الروسية:

إنه من العار على الإنسانية أن تسمع القاتل بوتين يصرح بكل وقاحة أن روسيا جربت عدة أنواع من أسلحتها في حربها على الشعب السوري

حيث تستعمل القوات الروسية الأراضي السورية كحقل رمي لعتادها العسكري ولتصوير فيديوهات تسويق لأسلحتها الجديدة التي يتم تجريبها على المدنيين السوريين، وعلى المنشآت المدنية التي زاد تعدادها على 1231 منشأة. وبنفس هذه الذكرى المشؤومة للتدخل الروسي، قال “الدفاع المدني” في الشمال السوري، إن “فرقه وثّقت مقتل 4018 مدنيًا بينهم أطفال ونساء، وتمكّنت من إنقاذ 8272 مدنيًا أُصيبوا جراء القصف والغارات الروسية”.[4]

مع مرور الزمن بدأت تصريحات المسؤولين الروس تكشف جوانب مهمة من أهداف موسكو في تدخلها في سوريا، إذ أشار الرئيس الروسي بوتين، في مؤتمره الصحفي السنوي في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى أن العمليات في سوريا تعد تدريبات عسكرية ذات كلفة رخيصة في ظروف حرب حقيقية”.

وبدا واضحاً أن موسكو ترغب في تجريب أسلحتها الحديثة والترويج لها، وبعث رسائل داخلية وخارجية حول قوة الجيش والأساطيل الروسية، رغم أن محاربة المعارضة المسلحة أو حتى “تنظيم الدولة” لا تحتاج إلى هذه الأنواع من الأسلحة.

وعمدت روسيا إلى استعراض ترسانتها الصاروخية، واستخدام أحدث طرازات الأسلحة، وسرَّبت وسائل إعلامها مقاطع فيديو توثق لحظة إطلاق صواريخ “كروز” من بحر قزوين، كما استخدمت غواصاتها لإطلاق صواريخ مجنحة.

وفي بداية الشهر الماضي أعلن يوري بوريسوف نائب وزير الدفاع الروسي أن الدول الأجنبية “اصطفت في طابور لشراء الطائرات الروسية، التي أظهرت قدراتها في سوريا، مثل قاذفة “سو- 34″، لكن اللافت أن وزارة الدفاع الروسية لم تكشف عن أي عقود مؤكدة حتى الآن. [5]

تدمير البنى التحتية والمراكز الحيوية:

قالت “هيومن رايتس ووتش” في تقرير أصدرته اليوم إن الهجمات المتكررة للقوات المسلحة السورية والروسية على البنى التحتية المدنية في إدلب شمال غربي سوريا شكلت جرائم حرب على ما يبدو وقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. قتلت عشرات الضربات الجوية والبرية غير القانونية على المستشفيات، والمدارس، والأسواق من أبريل/نيسان 2019 إلى مارس/آذار 2020 مئات المدنيين. كما أضرّت الهجمات بشكل خطير بالحق في الصحة، والتعليم، والغذاء، والماء، والمأوى، فتسببت بنزوح جماعي.

قال كينيث روث، المدير التنفيذي لـ هيومن رايتس ووتش: “ضربات التحالف السوري-الروسي على المستشفيات، والمدارس، والأسواق في إدلب أظهرت استخفافا صارخا بالحياة المدنية. تبدو الهجمات غير القانونية المتكررة جزءا من استراتيجية عسكرية متعمدة لتدمير البنية التحتية المدنية وطرد السكان، ما يسهل على الحكومة السورية استعادة السيطرة”. [6]

خلال المسيرة الإجرامية للاحتلال الروسي لم يعد يتساءل السوريون عن سبب استهداف الطائرات الروسية الحربية لعدة مداجن ومرابض للغنم في إدلب زيادة في التضييق واتباع سياسة التجويع وضرب البنى التحتية

ولعل ضرب محطة المياه المركزية في إدلب والتي يستفيد منها أكثر من مليون إنسان يأتي في السياق الإجرامي نفسه.

نلك كانت أبرز محطات وآثار العمليات الإجرامية التي تقوم بها روسيا دعماً لطفلها بشار ونظامه الدموي الحاكم في دمشق

إن معرفة طبيعة النظام الروسي وعقلية الجيش الروسي في إدارة الأزمات يحتم علينا أن ننظر إلى التدخل الروسي على أنه احتلال إجرامي شريك مساهم بالحصة الأكبر من الإجرام، وأن نظام الأسد بالنسبة لروسيا ليس حليفاً بقدر ما هو أداة قذرة ارتبطت بمصالح روسيا في المنطقة.

 

 

 

[1] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9

[2] https://www.france24.com/ar/20200303-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D9%87%D9%85-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%A8-%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7

[3] https://www.alhurra.com/syria/2020/12/01/%D8%B6%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D8%AF-%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AE-%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D9%86%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%82%D8%A8%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%82%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A

[4] https://www.enabbaladi.net/archives/517072

[5] https://www.aljazeera.net/opinions/2016/1/5/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%81

[6] https://www.hrw.org/ar/news/2020/10/15/376471

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق