الغلو و التكفيرمقالاتمقالات الغلو

العنف ممنوع والجهاد مطلوب

بقلم الدكتور محمد نور حمدان

 

مناصحة – متابعة 

إنّ مفهوم العنف مستقلٌّ عن مفهوم الجهاد في الإسلام، فالعنف معنىً مذمومٌ في الشريعة الإسلامية، واستخدام العنف من الأمور المنهي عنها لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كلِّهِ) و (وما جُعلَ الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانه، وما نُزعَ الرفقُ من شيءٍ إلا شانه).
فالعنف مفهومٌ مقابلٌ للرفق، والرفق هو مقصدٌ رئيسٌ في الشريعة الإسلامية، ويستحيل في علم المنطق أن يجتمع الضدّان؛ فلا يمكن أن يكون الرفق مقصداً في الشريعة الإسلامية مطلوباً في بعض الأوقات، والعنف مقصدٌ آخر في الشريعة الإسلامية مطلوبٌ في أوقاتٍ أخرى، وإلا استلزم من ذلك اجتماع النقيضين، وهو محالٌ، فالرفق مطلوبٌ، وهو من مقاصد الشريعة الإسلامية، وضدّه العنف وهو مذمومٌ في الشريعة الإسلامية.
بالعودة إلى مفهوم الجهاد، وهل مفهوم الجهاد مرادفٌ لمفهوم العنف؟
في الحقيقة ثمّة اختلافٌ كبيرٌ بين المفهومين؛ فالجهاد في سبيل الله له معنىً عامٌّ، وهو بذل الجهد لتحقيق هدفٍ مشروعٍ محدّدٍ، وقد يكون الجهاد بالمال، وبالنفس، وباللسان. وحتى الجهاد بالمعنى الخاصّ، والذي هو حمل السلاح والقتال شرع لتحقيق أهدافٍ محدّدةٍ ساميةٍ، وهذه الأهداف هي ردّ الظلم، ونصرة المستضعفين، وإعادة حقوقهم، يقول تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].
والوقوف أمام الجبابرة والمستكبرين كما قال صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سلطان جائرٍ” رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسنٌ.
فالجهاد شرعه الله من أجل تحقيق هذه الأهداف السامية، أمّا استخدام القوّة لتحقيق ما دون ذلك من الأهداف فهو مرفوضٌ في الشريعة الإسلامية، ومنهيٌّ عنه كما ورد عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ يُقَاتِلُ رِيَاءً، وَرَجُلٌ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَرَجُلٌ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وبالرغم من هذه المعاني السامية التي شرعها الله في الجهاد نجد أنّ الجهاد ضرورةٌ لا يلجأ إليها المسلمون إلا عند تعذّر جميع الوسائل السلمية الممكنة. فالجهاد ضرورةٌ في الإسلام وليس أصلاً، وقاعدةٌ عامّةٌ، والضرورات تقدّر بقدرها، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره لقاء العدوّ كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُ فَاصْبِرُوا».
والرفق -وهو مقصدٌ رئيسٌ في الشريعة الإسلامية- مطلوبٌ حتى في الجهاد، ولذلك حرّم قتل النساء والصبيان والشيوخ والرهبان في صوامعهم، بل وقطع الشجر وحرق الغابات، ولا يجوز قتال إلا من حمل السيف وقاتل، ولا يجوز التمثيل في جثث القتلى وتقطيع أعضائهم.
إذن فالعنف، وهو الذي يعني استخدام القوة بقصد إرهاب الناس وتخويفهم، أمرٌ محرّمٌ في الشريعة الإسلامية. أمّا الجهاد، والذي يعني استخدام القوّة عند الحاجة إليها لتحقيق أهدافٍ ساميةٍ لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الاضطرار لاستخدام القوّة، هو أمرٌ مفروضٌ في الشريعة الإسلامية، وهذا ما عبّر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: “الجهادُ ماضٍ إلى يومِ القيامةِ”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق