الغلو و التكفيرمقالات الغلو

مفاهيم ينبغي أن تصحح في التَّكفير.. التّطرُّف في الفهم الخاطئ لحكم التَّكفير

بقلم الباحث عمار حمشو

مناصحة – متابعة

إن الحكم بالتَّكفِير على الأشخاص، ورميهم بالكفر ليس من المسائل المتاحة لعموم المكلفين، وليست من العقائد – أي ليس من الواجب على كل مسلم أن يكفر من وجب تكفيره بعينه – فمسؤوليَّة من التَّكفير؟ وهذا الحكم هل هو في باب القضاء أم الاعتقاد؟ وما هي أهليَّة وشروط المكفِّر؟ هذا ما سيبينه الباحث في هذا المقال.

وقبل الخوض في بيان حكم التكفير وأهليَّة المُكفِّر، لابد من تحديد معنى الكفر والتَّكفير.

أولا: تعريفُ الكُفْرِ لُغةً واصطِلاحًا:

الكُفْرِ في اللغة: الستر والتَّغطية، يقال لمن غطّى دِرْعَهُ بثوبٍ قد كَفَرَ دِرْعَهُ، والمكَفِّرُ: الرجل المتغطي بسلاحه، ويقال للزارع كافر، لأنه يغطي الحب بتراب الأرض، والكفر: ضد الإيمان، سمّي لأنه تغطية الحق([1])، فالكافر سمي كافرًا؛ لأنه ستر الحق وغطاه؛ ولأنه ستر نِعَمَ الله وجحدها.

الكُفْرِ اصطِلاحًا: قال القرافي: “وأصل الكفر إنَّما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبيَّة، إما بالجهل بوجود الصانع أو صفاته العلى، ويكون الكفر بفعلٍ؛ كرمي المصحف في القاذورات، أو السجود للصنم، أو التردد للكنائس في أعيادهم بزي النصارى، ومباشرة أحوالهم، أو جحد ما علم من الدين بالضرورة”([2]).

وقال الرازي: “الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به، ومثلَّ لذلك: من أنكر وجود الصانع، أو صفة من صفاته، أو أنكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى الله عليه وسلم؛ كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافرًا، لأنَّه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنَّه من دينه”([3]).

وعرَّفه الزركشي: “هو إنكارُ ما عُلم ضرورةً أنه من دين سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، كإنكار وجود الصانع، ونبوته عليه الصلاة والسلام، وحرمة الزنا ونحو ذلك، والكفر أعمّ من الردّة، لأن الكفر قد يكون كفراً أصليّاً بخلاف الردة”([4]).

والخلاصة أنَّ الكفر هو: تكذيبُ وإنكارُ ما وجب الإيمان به أو جحوده ، وتكذيبُ ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو قول أو وفعل يدل على السخرية والاستهزاء بأمر معلوم من الدين بالضرورة ، مع تحقق الشروط ، وانتفاء الموانع .

أمّا التَّكفِير: تفعيل من الكُفْر، وهو مصدر كَفَّر، قال الفيومي: “وَكَفَّرَهُ، بِالتَّشْدِيدِ، نَسَبَهُ إلَى الْكُفْرِ، أَوْ قَالَ لَهُ: كَفَرْتَ”، فالتَّكفِير هو: الحكم على المعين بالردة والخروج من الإسلام([5]).

ثانيًا: حكم التَّكفير وأهليَّة المُكفِّر:

قرر الفقهاء أن حكم التَّكفِير لا عبرة فيه بغير أقوال الفقهاء، بل بالمجتهدين حصرًاالفقهاء.

قال الكمال ابن الهمام: “يقع في كلام أهل المذاهب تكفير كثير، ولكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون بل من غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين  ما ذكرنا”([6] وقال الإمام الغزالي: “إن هذه مسألة فقهية، أعني الحكم بتكفير من قال قولًا وتعاطى فعلًا(([7]، ولقد جوَّد حينما قالال: “الفقيه لا يحق له الخوض في التكفير، فكيف بعوام الأمة اليوم!!، فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقامات التي لا يستقل بآحادها المبرزون([8])، علمت أن المبادر إلى التكفير، جاهل مجازف، وكيف يستقل الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم؟ فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه، يخوض في التكفير والتضليل، فأعرض عنه”.([9])، ويقول: د. خيتي: وأما اعتقاد ردة أحد من المسلمين، والحكم بكفره، فإنها لا تكون لآحاد الناس وأفرادهم حتى وإن كانوا من طلبة العلم والدعاة، وإنما هو للعلماء الراسخين في العلم، الذين جمعوا فقه الكتاب والسنة، والقواعد المتعلقة بالتكفير، کشروط التكفير، وموانعه، والفرق بين الكفر الأكبر والأصغر، والفرق بين تكفير الفعل وتكفير الشخص المعين، ولديهم أهلية إطلاق الأحكام([10]).

مما سبق يتبين لنا حقيقة التكفير، وحكمه، وتبين لنا أنه وظيفة القاضي والمفتي، وأن الإفتاء بِردّةِ معين هو من جنس الإفتاء في غير ذلك من الأحكام الفقهية، تُسلَك فيه آداب الفتوى وأحكامها المقررة في الشرع، ولا يجوز التجرؤ على التكفير. يظن البعض  ويرى أن التكفير فرض عين، وفي ذلك السلوك من المخاطر الشديدة، على الفرد والمجتمع، ولا يجوز أن يَصدُر التكفير من قِبل الأفراد في : مؤتمرات، أو ندوات، أو حلقات حوارية، ذلك لأنّ التكفير حكم في الدماء والأموال، ولا بد فيه من تَحَري البينات، وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا غير ممكن في الظروف الحالية.

ثالثًا: ورع الفقهاء في التكفير:

حذّر النَّبي عليه الصلاة والسلام من فتنة التَّكفِير؛ لما تتركه من أثر شديد في تفريق الأمة وتمزيق قوتها، فقالr : «وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»([11])، وقالr: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا»([12]).

وبناء على ما تقدم من أدلة – وغيرها – تُبَين خطورة التكفير وتُحَذر من الإقدام عليه، تورَّع الفقهاء من الدخول في هذا الباب، وكانت لهم كلمات تدل على خطورة هذا المقام .

قال العلامة الشهرستاني: “وللأصوليين خلاف في تكفير أهل الأهواء مع قطعهم بأن المصيب واحد بعينه؛ لأن التَّكفِير حكم شرعي، والتصويب حكم عقلي”([13]

فقد تورع الفقهاء في تكفير أهل الأهواء والبدع فضلًا عن عموم المسلمين ، ونورد بعض نصوص الفقهاء حول التورع عن التكفير، أمَّا عند الحنفية فقد نقل ابن نجيم بعض أقوال السادة الأحناف: “الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافرًا متى وجدت رواية أنه لا يكفر” ([14]). كما نقل أيضًا: “إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير، تحسبا للظن بالمسلم” ([15]). وأما المالكية فقد نقل القاضي عياض عن جماعة من المحققين أنهم قالوا: الذي يجب: الاحترازُ من التكفير في أهل التَّأويل، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد([16]). وقال الشيخ محمد عليش: “كيف وقد قالوا إن كان للتكفير تسعة وتسعون وجهاً ولعدمه وجه واحد فإنَّه يُقدم ولا يُفتى بالكفر”([17]).

وأما الشافعية فقد نقل الشعراني عن الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله أنه قال: “اعلم يا أخي وفقني الله وإياك أن الإقدام على تكفير المؤمنين عسر جداً، وكل من في قلبه إيمان يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، والخطأ في قتل مسلم أرجح في الإثم من ترك قتل ألف كافر”([18]).

ومما سبق يظهر لنا خطورة التَّكفير والإقدام عليه، وأن التَّكفير خاص بفئة من العلماء وصلت لدرجة الاجتهاد، وقد تهيَّب من التَّكفير من وصل لأهليِّته ومن يحق له الكلام فيه، فكيف بمن لم يقرأ بابًا واحدًا من أبواب الفقه.

ونختم بكلام بديع للإمام الشوكاني قال رحمه الله: “اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار”([19]).

([1])  ابن فارس، “معجم مقاييس اللغة”، 5/191.

([2]) القرافي، “أنوار البروق في أنواء الفروق”، 4/ 115.

([3]) الرازي، “مفاتيح الغيب”، 2/282.

([4])الزركشي، “المنثور في القواعد”، 3/84.

([5]) الفيومي، “المصباح المنير في غريب الشرح الكبير”، 2/535.

([6])  ابن الهمام، “فتح القدير“، 6/ 100.

([7]) الغزالي، “الاقتصاد في الاعتقاد”، 1/ 133.

([8]) يقصد الفصول التي تحدث عنها ، التي تتضمن حد التكفير وشروطه ومتعلقاته.

([9]) الغزالي، “فيصل التفرقة”، ص 75.

([10]) خيتي، “التكفير وخطورته وضوابطه”، ص: 2.

([11])  أخرجه البخاري، كتاب الأدب، بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ، رقم الحديث:6047.

([12])  أخرجه البخاري، كتاب الأدب، بَابُ مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ، رقم الحديث:6103.

([13]) الشهرستاني، “الملل والنحل”، 2/ 7.

([14]) ابن نجيم المصري، “البحر الرائق شرح كنز الدقائق، تكملة البحر الرائق” ،5/ 134.

([15])  ابن عابدين، “رد المحتار على الدر المختار”، 4/ 224

([16]) القاضي عياض، “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، 2/ 595.

([17])  الشيخ عُلَيْش، “فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك”، 2/ 358

([18])  الشعراني، “اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر في بيان عقائد الأكابر”، ص:355.

([19]) الشوكاني، “السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار”، ص: 978.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق