الإلحادمقالات الإلحاد

القرآن وبناء الرؤية الوجودية المتكاملة: تماسك الرؤية القرآنية وتهافت رأي الملاحدة

المصدر: مركز يقين

 

مناصحة – متابعة 

مهما تنقّل الإنسان بعقله وجال بفكره بحثاً عن برد اليقين في فهم طبيعة الحياة الدنيا، فلن يجد هذا إلا في وحي الله تعالى، ومهما فكّر وقدّر فلن يعرف الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي شغلت البشرية منذ فجر التاريخ إلا في نور النبوة.
في هذا المقال جولةٌ قصيرةٌ في نظرة الإسلام للحياة وشرورها، ودور العبادات في إصلاح الفرد والمجتمع، وتوافق العقائد الإسلامية مع الفطرة الإنسانية والعقل السليم.

إنّ المتأمل للخطاب القرآني، يجده قد أولى أهمية كبرى لأسئلة الإنسان الوجودية في مختلف مناحي الحياة. وقد تأسست هذه الرؤية القرآنية على مجموعةٍ من الركائز؛ أهمها: الاعتقاد بوجود ربٍّ واحدٍ منزّهٍ عن الشبيه والمثيل، واحدٍ لا شريك ولا ندّ له، ويجب أن نفرده بالعبادة ونخضع له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

 

ويخبرنا القرآن أنّ طريقة التقرب من الله تحصل لنا عن طريق الوحي، من خلال اتباع الرسل والأنبياء عليهم السلام، خصوصاً أولي العزم منهم، وعلى رأسهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم، خاتم عقد النبوة، ووارث مناهج الأنبياء، والناسخ لشرائعهم السابقة.

 

كما يعتبر القرآن الكريم الحياة الدنيا مرحلةً عابرةً يتمّ اختبار الناس فيها، وهو ما يفسر وجود الشدة والبلاء، من موتٍ ومرضٍ وافتقارٍ …، لأنّنا لا نستطيع معرفة الأشياء إلا من خلال وجود نقيضها، فبالمرض نعرف الصحة، وبالفقر نعرف الغنى، وبالليل نعرف النهار …، فمن خلال الاختبارات يعرف الإنسان طبيعة نفسه وتركيبتها المبنية على المزاوجة بين المتناقضات، قال تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 1 – 10].

 

فالنفس البشرية بنيت على هاته التقابلية، التي منحت الإنسان مرتبته الوجودية المتقدمة على بقية المخلوقات، والتي أهّلته لحمل رسالة الدين وأمانة الاستخلاف، ومن هنا نفهم سخافة من ينكر وجود الإله بسبب الشر الموجود في العالم، في حين أنّ التأمل العميق، يبين أنّ هذه التقابلية هي آيةٌ من آيات الله في خلق الإنسان، وتأهيله لتحمل مسؤولية التكليف مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}[الأحزاب: 72]، فالاختبار في هذه الحياة ينبع من حرية الاختيار التي وُهِبها الإنسان دونما غيره من المخلوقات، فالله تعالى أعطانا الهداية والاختيار، وعلينا استخدام عقولنا لنفهم ونتبع الهدي القرآني، وحتى عندما نرتكب الأخطاء فإنّ الله يفتح دائماً في وجوهنا باب التوبة والعودة إليه، والإنابة إلى الصراط المستقيم، بل يعتبر القرآن أخطاءنا محطةً يمكنها أن تزيد معرفتنا بالله من خلال الاطلاع على ضعفنا وقوته وشدة افتقارنا إليه سبحانه، وحاجتنا المستمرة لطلب الهداية منه.

 

ويبين لنا القرآن أنّ علة وجودنا في هذه الحياة هو أن نحاول تكييف تصرفاتنا مع إرادة الخالق انطلاقاً من مفهوم العبودية والاستخلاف في الأرض، وكلما كانت أفعالنا أقرب لإرادة الخالق ارتفعت فاعليتنا وإنتاجيتنا، وتعتبر العبادات التكليفية بمعناها الضيق من أركان الإسلام، أدواتٍ مساعدةً لنا في هذه الرحلة الدنيوية كوننا في أمسّ الحاجة لهاته العبادات نظراً للنقص الموجود في تركيبتنا الإنسانية، والتي تحقق كمالها من خلال التواصل مع الله عن طريق التشريعات الدينية التي تغنيها عن تطويل المسافات في تحقيق السعادة والاستقرار الدنيوي، تقلبا بين مختلف الاجتهادات البشرية القاصرة، والمحاطة بإكراهات الزمان والمكان، مع التذكير المستمر بكون الله غنياً بشكلٍ مطلقٍ عن عبادتنا التي لا تزيد في ملكه مثقال ذرةٍ حتى لو أديناها على النحو المطلوب.

 

ومن هنا تأتي مركزية إقام الصلاة في التصور الإسلامي، التي تضمن لنا الصلة المتواصلة مع الله تعالى على امتداد ساعات الليل والنهار كوسيلةٍ راقيةٍ لتطهير أنفسنا وصيانتها من الغفلة عن الرسالة الوجودية المنوطة بها.

 

ولأنّ الدين الإسلامي علاقةٌ مع الله، تؤسس لعلاقةٍ راشدةٍ وتراحميةٍ مع الناس، فقد فرض الإسلام عبادةً ماليةً تتمثل في الزكاة تضمن لنا التخلص من التعلق بالحياة الدنيا رغم ملكنا لها، كما تمنح المجتمع أداةً لبناء شبكة علاقاتٍ يطبعها التراحم، وتوزع فيها الثروة بشكلٍ منصفٍ بين أفراد المجتمع.

 

ونظراً لأنّ العلاقات الاجتماعية تحدث نوعاً من التشنجات والأعطاب على مستوى تركيبة النفس الفطرية، بما يؤثر على أصل خلقتها الأولى، فقد شرع الإسلام الصيام وسيلةً لتخليص الناس من العوالق التي تنسيهم رسالتهم الوجودية، وتمنحهم فرصةً للتدريب الأخلاقي على التحمل والصبر والانضباط الاجتماعي.

 

كما يشكل الحج محطةً كبرى لتجميع أفراد الأمة الإسلامية، وتحقيق مفهوم الوحدة الإنسانية بشكلٍ تطبيقيٍّ، من خلال مجموعةٍ من المناسك التي تمزج مختلف الأعراق والجنسيات بشكلٍ رمزيٍّ يذكر الجميع بأصل الإنسانية الواحد، امتداداً من آدم عليه السلام، الأب البيولوجي للبشرية، ووصولاً إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، الأب الروحي للبشرية، والذي تلتقي عنده مختلف الرسالات التوحيدية.

 

وهذه الأعمال التعبدية كلها، تشكل أركاناً يبنى عليها صرح المجتمع الإنساني، الذي يرتكز إلى قيم الرشد والرحمة، بحيث يحسن فيه إلى الوالدين، وتوصل فيه الأرحام، وينصف فيه اليتيم والأرملة، وتؤخد الحقوق لمستحقيها وفق رؤيةٍ تشريعيةٍ متماسكةٍ لا تنحاز لفئةٍ من المجتمع على حساب فئاتٍ أخرى، كما هو حال الحضارة المادية اليوم.

 

وتبين الرؤية القرآنية أنّ هذه الحياة الدنيا محطةٌ عابرةٌ، تنتهي بالموت الذي قد يطرق الإنسان في أي لحظةٍ ودون سابق إنذارٍ، وهو ما يحتم على الإنسان ضرورة الاستعداد المستمر له، لأنّ الموت بدايةٌ جديدةٌ للإنسان يدخل من خلالها على عالمٍ آخر توزن فيه الأعمال، ويحاسب خلاله الإنسان على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، خصوصاً ما يتعلق بحقوق الناس المبنية على المشاحّة، في مقابل حقوق الله المبنية على العفو الرباني الواسع.

 

وتنتهي محطات الحساب، بعذاب الفئات التي رفضت الحقيقة وأعرضت عنها، وأصرت على ظلم الناس، رغم وضوح الحق كالشمس في رابعة النهار، في حين يتم مجازاة الطائعين الذين انحازوا لقيم الخير والصلاح، واختاروا التوافق مع الكون في عبوديته لله تعالى، ونذروا أنفسهم لخدمة الناس وتحقيق الخير في هاته الأرض بدل لعن الظلام وجعل الشر الذي هو كسبٌ إنسانيٌّ شماعةً يعلقون عليها كفرهم وجحودهم ومضيهم في حياة الغي والغفلة.

 

هاته الرؤية المتكاملة تشكل جواباً كافياً لكل جاحدٍ ينكر الدين كفكرةٍ مركزيةٍ في وجود الإنسان، ودين الإسلام كخاتمٍ للرسالات السماوية، وأسمى المنظومات الفكرية والأخلاقية التي يمكن أن تحكم حياة الإنسان، وعلى المنكرين للدين تفكيك هاته البنية المتناسقة والمتكاملة الدالة على حكمة الله الذي شرع هذا الدين، وتلزمهم أن يأتوا بمثل هذا التشريع، وليسوا بمستطيعين. قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 88، 89]، وهذا التحدي ما زال ماثلاً إلى يوم الناس هذا، ولم ولن يجد من يطيقه أو يقدر عليه.

 

إنّ هذه الرؤية الوجودية المتكاملة والبسيطة، تسكب في روع صاحبها برد اليقين والسلام الداخلي، والإجابات النهائية والواضحة عن أسئلته الوجودية الكبرى، استسلاماً لله ودخولاً في وفاق مع النفس وبقية الموجودات، وهو ما يفقده الإنسان المعاصر الغارق في الماديات، ويملكه المسلم دون غيره من أتباع المذاهب الأخرى وعلى رأسهم الملاحدة والجاحدون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق