الغلو و التكفيرمقالاتمقالات الغلو

ثقافة أصولية عقلانية

ثنائية الوحي.. الفكرة والحياة، بقلم عبد الله عتر

مناصحة – متابعة 

مصادر التشريع الأصلية = القرآن + السنة + الإجماع + القياس.
الأصل الذي تستند إليه كل الأدلة في وجودها وحجيتها إنما هو “القرآن”، لأنه كلام الله الذي نخلص له العبادة، وحتى نخلص له العبادة يجب ألا نعتمد غير كلامه وأمره..

فإذا نظرنا في كتاب الله وجدنا أنه منح طاعة الرسول نفس حكم طاعة الله وربطهما ببعضهما في آيات كثيرة مثل:
– ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه))
– ((وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين))
– ((وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون))
– ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ))

ثم جاءت آيات كثيرة تؤسس طاعة الرسول بشكل مستقل:
– ((من يطع الرسول فقد أطاع الله))
– ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))
– ((وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون))
– ((يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ))
– ((قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا))
– ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً))

طاعة الله ورَدُّ الأمر إليه يكون من خلال اتباع ما جاء في كتابه، وطاعة الرسول ورد الأمر إليه يكون باتباع ما جاء في سنته.. كلاهما وحي لأن الرسول ((لا ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى))
الفرق بين القرآن والسنة أن القرآن وحي متلو (يعني نص معجز) والسنة وحي غير متلو كما يقول الأصوليون.. وهذه الثنائية أشار لها النبي نفسه في حديث: ((إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه)) (رواه أبو داود وأحمد، صحيح). فالرسول أوتي القرآن وأوتي وحياً مثله لكنه ليس بقرآن، وهذا هو السنة.

ومن المهم أن نتذكر أن الأصل الواقعي للقرآن هو رسول الله.. فهو الذي أخبرنا بالقرآن نفسه.. من فمه الصادق تلقينا الوحي القرآني وعرفناه.. إنه الذي تلتقي عنده كل الطرق صلى الله عليه وسلم..
……………..

هكذا تغدو السنة النبوية هي المصدر الثاني للإسلام، لأنها تخبر عن أحكام الله وتبين القرآن على نحو تفصيلي أكثر.. فالسنة هي “ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير، على سبيل التبليغ والتشريع”، لذلك فإن الرسول يحمل أمام الله مهمتين رئيسيتين:
1. تبليغ القرآن المنزل: ((يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك))
2. بيان القرآن المنزل: ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ))

كانت هذه الرؤية واضحة عند الصحابة والصحابيات، فقد سأل سعد بن هشام السيدة عائشة: أَنبئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟ قُلتُ: بَلَى. قَالَت: (فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّه كَانَ القُرآنَ) (رواه مسلم) أي أن حياة الرسول هي ترجمة واقعية وجواب مباشر عن كيف يمكن العيش بالقرآن..

عند تدقيق النظر يتضح أن القرآن والسنة هما في الحقيقة المصادر الأصلية للشريعة كما أشار الأصوليون.. منهما يصدر نور الوحي بشكل مباشر وخصب كأنه قد نزل للتو.. وهما بمرتبة واحدة في الحُجية لأن مصدر الحجية هو الوحي وكلاهما وحي..
والفرق بين حديث نبوي وآية قرآنية يمكن أن يكون من جهة مدى ثبوت هذا الحديث.. وليس من جهة أن هذا كلام الله وهذا كلام الرسول..
…………..

ثنائية الوحي (القرآن – السنة) تنبع من ثنائية جوهرية تطبع الإسلام كله وهي أنه يجمع بين البعد الروحي الغيبي وبين البعد المادي المعاش.. معاً في نفس الوقت..
فلا يمكن فهم القرآن فهماً صحيحاً بدون حياة النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعل القرآن حقيقة معاشة بشكل ملموس، وفقط من خلال فهمنا لحياة النبي يعرض الإسلام نفسه كفلسفة عملية وخطة شاملة للحياة..
وإذا كان القرآن هو الفكرة والحقيقة والروح فإن السنة النبوية هي التطبيق والممارسة والحياة.. القرآن يعطي الإلهام والسنة تعطي الخبرة.. والروعة في ذلك أن كلاهما وحي.. (أشار لهذا علي عزت بيغوفيتش)

من يريد أن يفهم الإسلام من القرآن دون السنة فإنه لا يرد شطر الوحي فحسب، بل يشوه المنطق الداخلي للإسلام.. إنه يريد أن تكون مصادر التشريع مسيحية في منطقها، تطرح الفكرة مجردة دون سند واقعي يشرح امتدادها ويجسدها في عالم الناس والمصالح.. ولعل هذا المنطق يلتقي مع منطق المشركين الذين كانوا يرون أن الوحي لا ينبغي أن ينزل على بشر يعيش حياة البشر ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق.. بل يهبط كتاب جليل وسط أجواء مهيبة من السماء يلقيه أحد ملائكة الله.. حسناً ماذا سنفعل الآن بهذا الكتاب؟ كيف سنفهمه فهماً تنفيذياً نعيش به؟

إذا كانت المهمة الرئيسية للقرآن أن يجيب على أسئلة: ماذا؟ ولماذا؟ فإن المهمة الرئيسية للسنة أن تجيب على أسئلة: كيف؟ ومتى؟ وأين؟ وكم؟ ومع من؟ السنة بتعريفها اللغوي هي طريقة في العيش طريقة في السير..

مثلاً في معالجة قضية اجتماعية معقدة كقضية الفقر، يأتي القرآن فيجيب على سؤال: ماذا نفعل؟ يوجب الزكاة على الغني ويوجب العمل على الفقير القادر.. ويجيب على سؤال: لماذا نأخذ من الغني ونعطي للفقير؟ لتطهير النفس من الشح ولبناء اقتصاد يُتداول فيه المال.. ولأن للفقير حقاً في مال الغني من حيث التضامن ومن حيث أن الغني يستخدم موارد الطبيعة كالهواء والماء والتي هي ملكية كونية يشترك في ملكها الفقير، فيجب أن يحصل على عوائدها بوصفه شريك تم استثمار شيء من ملكه الكوني..
ثم تأتي السنة فتؤكد ذلك لكنها تتفرغ للإجابة على أسئلة كيف وكم ومتى وأين ومن؟ تجب الزكاة على من ملك مالاً مقداره (200 درهم أو 20 دينار) ومضت عليه سنة قمرية، فإنه يُخرج زكاة 2.5 % من ماله.. كل هذه البيان وغيره لم يتعرض له القرآن..
……………

كثيراً ما يخطر ببالي أن الذين يرفضون السنة يحملون فشلاً في فهم طبيعة الحياة وكيفية أخذها بقوة واقتدار.. لأن آلية التفكير التي دفعتهم لهذا لا تهتم بالطريقة وكيفية إنجاز الأمور وإحداث التغيير والتفاصيل الصغيرة الحاسمة.. هم يهتمون فقط بالأفكار العامة والمبادئ المجردة.. أما الطريقة والعملية فهي أمر لا يبلغ أهمية تستحق الوحي..
ميزة مصدري التشريع (قرآن وسنة) أنهما يقدمان لنا نظرة عميقة للحياة وبصيرة داخلية ممتازة.. بأنكم تحتاجون الأفكار الكلية والمبادئ العامة والتوجهات الكبرى كما تحتاجون الكيفية والطريقة العملية والتفاصيل الصغيرة والحوامل الواقعية للفكرة.. كلاهما مهم جداً.. حتى على مستوى الوحي..

عادة ما يفشل الإنسان في فعل شيء إذا توفر له ماذا؟ ولم يتوفر له كيف؟.. على الأقل يحتاج أمثلة وإضاءات عن كيف؟
وهذا المتوقع من الدين الخاتم الذي هو رحمة للناس تيسر عليهم حياتهم وتنير دروبها الصعبة..

وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بما سيكون بعده فكان يحذر بشكل متكرر من هذه الظاهرة، حتى أن عدداً من الصحابة نقلوا ذلك، فقد جاء عن أبي رافع عن النبي أنه قال: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)) (رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن).
وجاء عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله: ((يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يُحَدَّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه. وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله)) (رواه الترمذي والحاكم في المستدرك، حديث حسن).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق