التشيع السياسيمقالات التشيع

إيران وخيال المآتا والمسلمون

بقلم جهاد عدلة

مناصحة – متابعة 

الأمور بين إيران والغرب، وتحديداً أمريكا، صارت أقرب من أيّ وقتٍ مضى إلى التريّب الكامل، وتصريحات المسؤولين الإيرانيين والغربيين تشي بتحوّلٍ عميقٍ في مسار التفاوض النووي نحو الاتفاق.

الذي لا مراء فيه، عند المراقبين، أنّ الاتفاق النووي هو الذي يؤخّر إطلاق يد إيران في المنطقة بما يسهم في إعادة رسم الواقع الجيوسياسي والديموغرافي وفق تقسيمات النفوذ الدولية الجديدة.

بمعنى أنّ الحدود السياسية الجديدة، التي ستبنى على مقارباتٍ طائفيةٍ وإثنيةٍ واقتصاديةٍ ومجتمعيةٍ أعدّت بعنايةٍ وفق منطق التطوّر التاريخي في المنطقة، سترسم بما يؤمّن مصالح القوى النافذة في النظام الدولي الجديد الآخذ بالتشكّل، وهذه المصالح، أيّاً كانت القوى الجديدة البازغة، تقتضي الحفاظ على الكيان الصهيوني من خلال حزامٍ بشريٍّ رخوٍ أو سائلٍ من الناحية الفكرية، ويفقد العمق التاريخي العقدي والحضاري، وهذا ما تؤمّنه الكتلة البشرية الشيعية.

لكن الشيعة كتلةٌ بشريةٌ ضئيلةٌ جداً، قياساً بالسنّة، ومن ثمّ فهي غير مؤهلّةٍ للقيام بهذا الدور.

من هنا تنبع أهمية إيران، ودورها الوظيفي بالنسبة للقوى الدولية النافذة، في العبث بالخريطة الديموغرافية لعصب المنطقة العربية والإسلامية، ممثّلةً ببلاد الشام والعراق، بعدما أُمِن الجانب المصري تماماً من خلال آلياتٍ أخرى تولّى تنفيذها النخبة العسكرية التي لا تهيمن على القرار السياسي والعسكري فحسب، وإنّما على عصب الحياة الحديثة: منابع الاقتصاد وحركة المال ووسائل الإعلام، وتبلي السلطة المصرية في هذا الجانب بلاءً حسناً عبر مجموعةٍ من العلماء والدعاة ورجال المال والإعلام تسحر الناس بخطابٍ يحظى من حيث الشكل بجاذبيةٍ عند الجماهير، زد على ذلك التثقيل غير المسبوق للوزن السياسي والمجتمعي لأقباط مصر.

في حالة العراق والشام، يطلق يد إيران في صناعة وتوليد بؤرٍ شيعيةٍ في مدنٍ كبرى في الشام، عبر تنفيذ ثنائية التهديد أو الإغراء بالمال أو المناصب، وقريباً من ذلك في العراق الذي جرفت فيه مدنٌ وبلداتٌ سنيةٌ لمصلحة الأمن الاستراتيجي الصفوي الذي تتزعمه طهران.

وظيفة هذا المقال الإسهام في القضاء على أيّ أملٍ عند بعض الناشئة، أو السذّج من المثقفين وطلبة العلم والدعاة الذين يحلمون بنوعٍ من التدخل الدولي للجم إيران عن توسيع نفوذها في المنطقة.

بلا ريبٍ أنّ يد إيران لن تطلق بمدىً مفتوحٍ، بل هناك حدودٌ وقيودٌ، لكنّها أعلى بكثيرٍ وأكبر ممّا ينتظره أيّ ساذجٍ، فقد قاولت إيران جيداً بعد أحداث ١١ أيلول/ سبتمبر، وقدّمت نفسها بطريقةٍ ماكرةٍ للقوى الدولية النافذة، وهي منذ ذلك اليوم، تقوم بعملٍ، هو من العمق والتأثير والنتائج ما لم يستطع الاستعمار البريطاني والفرنسي، والاحتلال الصهيوني أن يفعل عشره.

هذه المقولة غير مرتبطةٍ بالتثبيط أو التحفيز، أو بالتفاؤل أو التشاؤم، وإنّما هي محاولةٌ متواضعةٌ، وإسهامٌ ضمن مقولاتٍ أخرى في السياق ذاته، لإعلام من يجب أن يعلم، أنّ على الناس أن تجهّز نفسها لأيامٍ صعبةٍ، ولحضورٍ صفويٍّ، بالمعنى العقدي والمجتمعي والثقافي والسياسي، أكثر قوةً وتأثيراً، وإيران بهذا المعنى، الدولة الإقليمية الوحيدة المؤهلّة لمعادلة القوة التركية الناشئة إقليمياً، ولا يلزم من ذلك أنّ تركيا تعتبر نظاماً إسلامياً يشكّل تهديداً حضارياً للنفوذ الغربي والهيمنة في المنطقة، وإنّما المعادل الصفوي له أهميةٌ كبيرةٌ، منشؤها قوميٌّ ودينيٌّ وتاريخيٌّ، في إشغال تركيا وصرفها عن مشروعها في بناء قوتها الذاتية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وكذلك في تفتيت الكتلة العربية السنية، والحيلولة دون قيام مشروعٍ سنيٍّ، مهما صغر شأنه، حتى لا يتحوّل إلى بؤرة استقطابٍ إقليميةٍ كبيرةٍ يمكن أن تكون قوّةً ذات شأنٍ في غفلةٍ من الزمان.

والحقيقة أنّ تفتيت الكتلة السنية العربية الضخمة في المنطقة تقوم إيران بدورٍ مهمٍّ وحيويٍّ وخطيرٍ منه، لكنّها لا تقوم به كلّه، فهناك مراكز قوىً ذات تأثيرٍ تكمل المهمّة، من غير أن يكون بالضرورة على تنسيقٍ بينهما، وهي طبقةٌ من الدعاة والعلماء والأكاديميين والإعلاميين والاقتصاديين والكتّاب الذين نشؤوا على حوافّ السلطة في علاقةٍ مصلحيةٍ ونفعيةٍ متبادلةٍ، تتولّى إضعاف الثوابت والقيم الدينية والأخلاقية والمجتمعية الكبرى في المجتمعات العربية.

لن يسمح لإيران بأن تكون دولةً نوويةً، وفي مقابل ذلك سيرمون لها بكعكةٍ تمثّل قلب العالم العربي والإسلامي: الشام والعراق، لتعبث فيه كما تحبّ وترضى ضمن مقاييس وحدودٍ متفقٍ عليها مسبقاً، ولا تخلّ برؤية القوى الدولية النافذة لآليات التطوّر المجتمعي والديموغرافي للمنطقة، وأمّا الجزيرة العربية فتلك قصّةٌ أخرى، ولها حديثٌ منفصلٌ.

 

وحتى يتطور وعي المسلمين في المنطقة، وهو أمرٌ يحتاج إلى دورةٍ تاريخيةٍ سننيةٍ، ويمتلكوا التصوّر العميق لكيفية المواجهة وأدواتها، ويلمسوا واقعاً معاشاً، أنّ الحبال طوّقت أعناقهم، ستبقى طهران فزّاعة المسلمين، أو عصا القوى الدولية القاسية يهشّون بها على المسلمين ومشاريعهم، ولهم فيها مآرب أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق