الوحدة الوطنيةمقالات الوحدة الوطنية

العربية من ركائز الهوية الوطنية

بقلم الباحث في مركز مناصحة الأستاذ عبد الله الشيباني

مناصحة – متابعة 

اللغة العربية من أكثر اللغات العالمية تحدثاً ضمن مجموعة اللغات الساميّة، وإحدى أكثر اللغات انتشارًا في العالم، يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمةٍ.

يتوزع متحدثو العربية في الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الجغرافية المجاورة، والدول كتشاد وأريتيريا.

العربية لغة القرآن وركيزة فهم الإسلام، ولا بدّ لكلّ مسلمٍ أن يحفظ من العربية ما يؤدي به الفرائض ويتقرّب به من خالقه سبحانه، لذا فالعربية ذات أهميةٍ قصوى لأكثر من مليار إنسانٍ على وجه الأرض.

تأثير العربية في اللغات العالمية:

أثّر انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وقيام دولٍ وإمبراطورياتٍ إسلاميةٍ عبر التاريخ في ارتفاع مكانة اللغة العربية، فأصبحت لغة السياسة والعلم والأدب قروناً طويلةً في الأراضي التي حكمها المسلمون، وأثّرت العربية تأثيرًا مباشرًا في كثيرٍ من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، كالتركية والفارسية والأمازيغية والكردية والأردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحلية، وبعض اللغات الأوروبية وخاصةً المتوسطية منها كالإسبانية والبرتغالية والمالطية والصقلية.

كما أنها تُدرَّس بشكلٍ رسميٍّ أو غير رسميٍّ في الدول الإسلامية والدول الإفريقية المحاذية للوطن العربي، والعربية لغةٌ رسميةٌ في كلّ دول الوطن العربي، إضافةً إلى كونها لغةً رسميةً في تشاد وأريتريا.

وهي إحدى اللغات الرسمية الستّ في منظمة الأمم المتحدة منذ الاعتراف بها في المنظمة الدولية عام 1973م.

وانتقلت الثقافة العربية لشعوب العالم خلال عصور النهضة الإسلامية والفتوحات؛ ونجد ظلال ذلك التواشج بين الحضارات في بقاعٍ مختلفةٍ، ومنها إسبانيا حاليًا، والتي ظلّت مملكة الأندلس العربية فيها عامرةً بالحضارة، وظلّت آلاف المفردات في اللغة الإسبانية مقتبسةً من العربية ومنها: “alcala و”alhena” و””Alguacil و”Alcade ” “وهي “القلعة” و”الحناء” و”الوزير” و”القاضي”، وهي ألفاظٌ تتشابه كثيراً مع الرومانية.

وهو ما حدث في أغلب اللغات، فنرى في الإنجليزية آلاف المفردات التي انتقلت خلال العصور الوسطى، ومنها “algebra” و”syrub” و”sugar””cotton”  ” من “الجبر” و”الشوربة” و”السكر” و”القطن” على التوالي.

سنجد الاقتباس ظاهرًا في اللغة الفارسية الموجودة حاليًا في إيران، والتي لا تزال تعتمد الحروف العربية، ونرى الاقتباس في ألفاظٍ مثل “زلم” أي ظلم، و”خاتمه” أي خاتمة، و”سلتان” أي سلطان، و”تالب” أي طالب، وهناك دول شرق آسيا والهند وغيرها من النماذج، وهذه إحدى أبرز سمات قوّة اللغة العربية، والتي اكتسبت بالفعل من الثقافات الأخرى بطبيعة اللغات التي تتلاقح، ولكنّها منحتها أكثر بكثيرٍ ممّا أخذت. [1]

غزارة العربية:

لغة الضاد فيها من السحر والبيان ما لا يوجد في أيّ لغةٍ أخرى.

ويبدي الباحثون دهشتهم كيف تشكّلت بمثل هذا البهاء والاكتمال، فهي الوحيدة التي مرّت عليها قرونٌ بعيدةٌ، ولم تتبدّل أو تتغيّر أصواتها أو حروفها وكتابتها، ونظرًا لمرونتها فقد ظلّت غضّةً مفهومةً على ألسنة أجيالٍ متعاقبةٍ، بخلاف كلّ لغات الأرض التي لا تكاد تفهم نصوصها الكلاسيكية القديمة التي تعود أكثر من خمسة قرونٍ مضت أو يزيد؛ كحال اللغات الأوروبية اللاتينية مثلًا، والتي اختلفت نطقًا وكتابةً عدّة مرّاتٍ فتبدّلت ملامحها.[2]

وهي من أغزر اللغات من حيث المادة اللغوية، فعلى سبيل المثال، يحوي معجم لسان العرب لابن منظور من القرن الثالث عشر أكثر من 80 ألف مادةٍ، بينما في اللغة الإنجليزية، فإنّ قاموس صموئيل جونسون، وهو من أوائل من وضع قاموسًا إنجليزيًا، من القرن الثامن عشر، يحتوي على 42 ألف كلمةٍ. [3]

في منتصف سنة 2010 أشارت مصادر إلى تقريرٍ مختصٍّ يذكر أنّ اللغة العربية حقّقت نموًّا مرتفعًا بوجودها ضمن قائمــــة أكثر عــــشر لغاتٍ استعمــــالاً في الإنترنت، حيث حلّــــت في المرتبــــة السابعــة محقّقـــةً نسبـــة انتشـــارٍ وصلــــت إلى 17.5 %، ومتفوقةً على لغاتٍ حيةٍ أخرى من بينها الفرنسية. وتحتلّ اللغة العربية الآن الموقع الثالث في لغات العالم، من حيث عدد الدول التي تقرّها لغةً رسميةً، والسادس، من حيث عدد المتكلمين بها، والثامن من حيث متغيّر الدخل القومي، في العامل الاقتصادي، وهي متأرجحةٌ من حيث المنزلة في العوامل الأربعة الأخرى: (الثقافي، اللساني، الاقتصادي، العسكري).[4]

وهي إحدى اللغات العشر الأكثر انتشارًا في العالم، (حسب ترتيب عدد المتكلمين بها: الصينية، الإنجليزية، الإسبانية، العربية، الهندية، الروسية، البرتغالية، البنغالية، الألمانية، اليابانية، الفرنسية).  كما أنّ اللغة العربية من اللغات الثماني، من بين هذه اللغات التي تكاد تقتسم المعمورة فيما بينها، وتحتفظ كلٌّ منها لنفسها بقاعدةٍ جغرافيةٍ راسخةٍ: (الماندرين في آسيا الوسطى، والإسبانية والبرتغالية في أمريكا الجنوبيـــة، والإنجليزية في أمريكا الشمالية، والعربيـــة في شمال إفريقيا والشـــرق الأدنى، والهنديــة والبنغالية في أغلب القارة الهندية، والروسية في أوروبا الشرقية). كما أنّها من بين اللغـــات الستّ التي يعرف الناطقــــون بها تزايدًا ديموغرافيـــًا أكثر من غيـــرها، وهي حسب الترتيب: (الإسبانية والبرتغاليـــة والعربيــة والهندية والسواحلية والماليزية).

 العربية إحدى دعائم الهوية الوطنية:

هُوِيَّةُ الإنسان: حقيقتُهُ المُطلقةُ وصفاتُهُ الجوهريَّةُ، وأما المُواطنة فهي صفة المواطن، لا شك أنّ اللغة هي الفكر وهي الهوية، وهي الماضي والحاضر والمستقبل.

اللغة ركنٌ أساسيٌّ في حضارات الأمم، ولم تسد أمّةٌ لا تستند في تطوير علومها ومعارفها على لغتها الأمّ، فكيف إذا كانت تلك اللغة هي العربية التي مثّلت جسرًا لنقل الثقافة والعلوم والآداب، ليس للأمّة العربية فقط، وإنّما لأممٍ وحضاراتٍ أخرى عبر القرون.

يؤكّد الخبراء والمتخصصون أنّ إهمال اللغة العربية واستبدالها بلغاتٍ أخرى من شأنه التأثير سلباً في الهوية الوطنية وفقدان جزءٍ مهمٍ من مقوّمات الهوية والذات الحضارية، في المقابل، فإنّ للغة تأثيرًا كبيرًا في ترسيخ المواطنة، وترسيخ الانتماء، فالواحد من الناس يألف من يتكلّم بلسانه، ويقترب منه أكثر من غيره، ومن تتبّع أحوال المسافرين في محطّات سفرهم ثبتت له تلك الحقيقة. والمغتربون للدراسة أو للعمل أو للعلاج، وكذلك المهاجرون تؤلفهم اللغة، وتجمعهم بلدانهم، فكلّ أهل بلدٍ لهم رابطةٌ توحّدهم، ومستقرٌّ يجمعهم، وأقوى دافعٍ لهم في ذلك كون لهجاتهم واحدةً.

يقول الرافعي -رحمه الله-: ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها. إنّ قيمة الولاء هي المحرّك الحقيقي للمواطنة، وهو نتيجةٌ نهائيةٌ، والتي تتبلور في شكل ما يسمّى الوطنية، فالولاء يدفعه إلى أداء واجباته ضمن إطار قيم المواطنة. لا بدّ من النظرِ إلى اللغة العربية بحيث يكون الاعتزازُ بها اعتزازًا بالوطن، وتراثه الحضاري العظيم، فهي عنصرٌ أساسيٌّ من مقوّماتِ الوطن والشخصية العربية، والنظر إليها على أنّها وعاءٌ للمعرفةِ والثقافة بكلِّ جوانبها، ولا تكون مجرّدَ مادةٍ مستقلةٍ بذاتها للدراسة؛ لأنَّ الوطن الذي يهمل لغتَه وطنٌ يحتقر نفسَه، ويفرضُ على نفسِه التبعية الثقافية. [5]

إنّ الإنسان بطبيعته كائنٌ منتمٍ، فلا يستطيع أن يشكّل وجوده أو يعيش حياته بمعزلٍ عن الآخرين. ولا يستطيع كذلك أن يبدع لغةً خاصّةً تعزله عن سواه من البشر، الذين يشاركهم واقعهم الاجتماعي والسياسي والثقافي.

وهذا الواقع المشترك الذي يفرض الهوية المشتركة، هو الواقع نفسه الذي يفرض الانتماء إلى هذه الهوية دينيةً كانت، أو لغويةً، أو وطنيةً.

والهوية لا تتأتى بين يومٍ وليلةٍ؛ وإنّما هي خلاصة تعايشٍ طويلٍ لقومٍ أو مجموعة أقوامٍ تحدّد، بمرور الزمن، مكانهم الجغرافي، وتحدّدت معالم لغتهم المشتركة وقواعدها، وتحدّدت معها طموحاتهم وأحلامهم، وصاروا بحكم ذلك التكوين منتمين بالضرورة إلى هذا المكان وهذه اللغة، وأيّ تصدّعٍ في جدار الانتماء لا بدّ أن يصدر تصدعاتٍ واسعةً في جدران الهوية والمكان واللغة.

وإذا كانت اللغة العربية هي أحد أهم دعائم هُويتنا الوطنية، فهي لغة ثقافتنا وماضينا وحاضرنا كذلك، وأداة التواصل فيما بيننا بصفتنا سوريين من مختلف الأعراق والأديان، فإنّ الاهتمام الرسمي والمجتمعي يجب أن يكون رفيع المستوى، ومعبّراً بالفعل عن قيمتها وتأثيرها الثقافي والحضاري.

إنّ المحافظة على اللغة العربية هي مسؤوليةٌ وطنيةٌ ودينيةٌ وأخلاقيةٌ، وبطبيعة الحال، فهذا الواجب لا يقتصر علينا نحن السوريين فقط، بل يمتدّ ليشمل الأمّتين العربية والإسلامية.

انعكاس ضعف الاهتمام باللغة على الهوية الوطنية:

أصبحنا -مع الأسف- نلاحظ شدّة اهتمام الشباب باللغات الأجنبية مع ضعف الاهتمام باللغة العربية، الأمر الذي يعدّ مؤشّرًا خطرًا بالتتابع الزمني، كما أنّ لذلك انعكاساتٍ كبيرةً على الهوية الوطنية عمومًا. يؤكّد الدكتور بسيوني حمادة عميد الأكاديمية الدولية لعلوم الإعلام في مصر أنّ هناك قلقًا حقيقيًا ومخاوف مشروعةً بشأن مكانة اللغة العربية بصفتها جوهرًا للهوية العربية الإسلامية، وهو قلقٌ ومخاوفُ يدعمها الواقع المعيشي والتهديدات التي يحملها بين طياته الإعلام الجديد ممثّلًا في الواقع الافتراضي للإنترنت والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، وسيطرة العامّية على اللغة الفصحى، وانتشار التعليم الأجنبي على حساب اللغة العربية، وغير ذلك كثيرٌ.[6]

فاللغة هي السياج الذي تتحصّن به الثقافة، بل هي الثقافة عينها، وهي السياج الذي تتحصّن به الهوية، بل هي الهوية عينها، فاللغة هي أصل الثقافة، والثقافة هي جوهر الهوية، وذلك لهيمنة اللغة الانجليزية على لغة الإنترنت ولغة الإعلام الجديد ولغة التخاطب الإعلامي والسياسي، والمشكلة ليست في سعة انتشار اللغة الانجليزية وانحسار العربية، ولكنّ الخطر يكمن في ارتباط اللغة بالقيم، وأنماط الاستهلاك، والزواج، والمعيشة، والعلاقات الاجتماعية والأسرية، وفي الدين، ومن ثمّ أثرها وتهديدها للهوية.

ويرى الدكتور بسيوني حمادة أنّ ذلك لا يعني البتة أنّ الهوية هي لغةٌ ودينٌ فقط، ولكنّها تراثٌ إنسانيٌّ مشتركٌ، والهوية ليست ماضيًا فقط، ولكنّها مستقبلٌ أيضًا، وهي قابلةٌ للتطوّر والتفاعل، المهمّ ألّا يكون ذلك على حساب القواسم المشتركة والجذور التي يؤدّي اقتلاعها إلى ضياع الوجود.

إنّ الخطر الأساسي الذي يهدّد الهوية من خلال تراجع مكانة اللغة العربية وتقلّص الاعتماد عليها وتداولها وتعجيمها هو التغلغل إلى الفكر والوجدان ومنظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية السائدة في المجتمع، وإبعاد المجتمع عن ثقافته وتراثه وسلخه عن تاريخه لترسيخ واقع التبعية، وهذا ما يوجب علينا على صعيد الأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية والجهات الرسمية مزيد اهتمامٍ بها وجعلها أحد أهمّ ركائز هويتنا الوطنية.

 

[1] https://kalemon.com/?p=1236

[2] https://kalemon.com/?p=1236

[3] https://www.smore.com/khpzv

[4] https://web.archive.org/web/20190629140859/https://www.nordictrans.com/blog/arabic-language-spoken-sweden/

[5] https://units.imamu.edu.sa/shis/malaz-inst/EduArticles/Pages/27-3-1440-m.aspx

[6] https://www.ahram.org.eg/daily/archive/Culture-world/News/183408.aspx

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق